هل سيدمر ترامب الغرب أم ينقذه؟

هل سيدمر ترامب الغرب أم ينقذه؟
صدر الصورة، Reuters
اصطفت الدول الغربية بقيادة الولايات المتحدة في دعم أوكرانيا في مواجهة الغزو العسكري الروسي قبل ثلاثة أعوام بالضبط.
كان الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن قد اتبع سياسة دعم كييف على هذا الصعيد بكل ما هو ممكن، لكن دون التدخل العسكري المباشر من جانب بلاده، والذي كان سيهدد بإشعال حرب عالمية.
أرسلت الولايات المتحدة مساعدات عسكرية واقتصادية قيمتها عشرات المليارات من الدولارات إلى أوكرانيا، ولعبت تلك المساعدات الأمريكية ومساعدات حلفاء واشنطن الغربيين دوراً كبيراً في صمود أوكرانيا أمام روسيا.
لكن الموقف الأمريكي تغير مع عودة الرئيس دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، فقد اتجه ترامب إلى التصالح مع روسيا، ووقف دعم أوكرانيا، إذ يرى أن الأولوية هي لوقف الحرب وتجنب التصعيد مع قوة نووية كبرى هي روسيا.
كما يقول ترامب إن الحرب كلفت بلاده أعباء مادية كبيرة، يقدرها بأكثر من ثلاثمئة مليار دولار، ويشكو من أن حلفاءه الأوروبيين لم يقدموا المساعدات بالقدر نفسه، وإن كل ذلك يجب أن “يتوقف ويتغير”.
تخطى قصص مقترحة وواصل القراءة
قصص مقترحة
قصص مقترحة نهاية
صعق هذا الموقف الحلفاء الغربيين وجعلهم في وضع جديد حافل بالتساؤلات، ليس فقط عن مستقبل حرب أوكرانيا، بل عن مستقبل المعسكر الغربي ذاته، باعتباره تحالفاً بين دول تحمل نفس القيم وتتقارب مصالحها وتقودها الولايات المتحدة.
في الأمم المتحدة، وفي الذكرى الثالثة لاندلاع حرب أوكرانيا، كان هناك وضع دبلوماسي غريب ونادر جسد ذلك الشقاق في المعسكر الغربي، إذ تحركت الولايات المتحدة عكس حلفائها التقليديين، فامتنعت عن التصويت على قرار في الجمعية العامة للأمم المتحدة طرحته أوروبا، وأبدى الدعم لوحدة أوكرانيا وسيادتها، وقدمت واشنطن قراراً مر في مجلس الأمن الدولي دعا إلى وقف الحرب، بدون إدانة روسيا أو تحميلها مسؤولية بدء الحرب، وقد امتنعت كل من فرنسا وبريطانيا على التصويت على ذلك القرار الأمريكي.
“أمريكا أولاً”
صدر الصورة، Reuters
تخطى يستحق الانتباه وواصل القراءة
يستحق الانتباه نهاية
ويصف غاريث مارتن، الأستاذ في الجامعة الأمريكية للخدمة الدولية، هذا الموقف من جانب واشنطن بالصادم قائلاً: “حتى إذا كنت تحاول أن تعمل مع روسيا، حتى إذا كنت تعتقد من منظور براغماتي، بأنه يجب عليك التفاوض مع دول لا تحبها، فإن حقيقة أنك لم تعترف بوضوح بالحقيقة البسيطة، وهي أن روسيا هي الطرف المعتدي، فإن ذلك أمر مخيب للآمال”.
خلال حملته الانتخابية كان ترامب واضحاً في أنه يجب إنهاء حرب أوكرانيا. وعلى عكس الاتجاه التقليدي في حزبه الجمهوري، الذي يؤيد زيادة الإنفاق العسكري ومواجهة أعداء الولايات المتحدة الخارجيين وإضعافهم، حتى لو أدى ذلك إلى التصعيد العسكري، بل والحروب، يمثل ترامب قناعة أخرى، إذ يؤمن أن شعار أمريكا أولاً الذي رفعه والتف حوله الملايين من ناخبيه، يعني أن على الولايات المتحدة ألا تتدخل في حروب لا تخدم مصالحها، وألا تسمح باعتماد حلفائها على إنفاقها العسكري الكبير، بل إن عليهم أن يزيدوا هم من إنفاقهم العسكري، ويتحملوا مزيداً من المسؤوليات.
أما الخصوم فيميل للاتفاق معهم لتخفيف حدة الصراعات، من أجل تجنب شبح حرب عالمية ثالثة. لكن ذلك يعني كما يبدو تقديم تنازلات لهم، وذلك أمر هز حلفاء الولايات المتحدة الأوروبيين والغربيين وأثار قلقهم.
تصدر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون جهود هؤلاء الحلفاء في محاولة احتواء اندفاعة ترامب، والعمل معه من أجل تغيير التوجه الغربي دون التفريط في الثوابت التي قاتلت من أجلها أوكرانيا ودعمها الغرب كله في ذلك.
ماكرون هو الأقرب من الناحية الشخصية لترامب من بين الزعماء الغربيين الآخرين، فقد توطدت العلاقة بينهما، عندما كان ترامب رئيساً للمرة الأولى بين عامي 2017 و2021، وقد زار الولايات المتحدة واحتفى به ترامب.
لكن الزيارة جاءت في اليوم نفسه الذي جرى فيه التصويت في الأمم المتحدة، على القرارات الأخيرة التي اختلفت فيها واشنطن مع حلفائها.
وفي حين حاول ماكرون الحديث عن تنسيق المواقف وتعزيز التحالف مع الولايات المتحدة، لم يُظهر ترامب أي تغيير في مواقفه.
يعلق ماكرون وحلفاء أمريكا الآمال، على أن استعادة التقارب والتواصل المباشر مع ترامب سيؤدي إلى احتواء أي خسارة استراتيجية أو تقليلها. كما يراهن الرئيس الفرنسي على أن التوصل إلى اتفاق بين واشنطن وكييف بشأن منح الولايات المتحدة امتياز الوصول إلى الاحتياطات الأوكرانية من المعادن النادرة، وهو الأمر المهم بالنسبة لترامب، سيعني استثماراً أمريكياً ودعماً فعلياً لأوكرانيا واستقلالها، في وقت تعرب فيه الدول الأوروبية عن استعدادها لإرسال قوات لحفظ السلام، إذا تم الاتفاق على نهاية الحرب.
التحالف الغربي تحت الاختبار
صدر الصورة، Reuters
وتقول أستريد شفراويل، الزميلة في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن، إن “أوروبا تمثل خط المواجهة الأول مع روسيا، التي طالما كانت خصم أمريكا في القرن الماضي. وبينما يظهر اليوم تحول أمريكي يركز على المنافسة مع الصين، وتريد الإدارة الأمريكية التركيز على ذلك، فإن واشنطن لن تستطيع فعل ذلك دون الدعم الأوروبي. فاذا أرادت الولايات المتحدة سحب جزء من وجودها العسكري في أوروبا وتحويل تركيزها نحو مسرح عمليات المحيط الهادئ، فإنها ستحتاج من أوروبا أن تسد الفراغ، وإلا فستحصل فجوة، وربما يشكل ذلك حافزاً للصين وروسيا للتنسيق معاً، وربما ستندلع صراعات متزامنة قد تسبب مشكلات حادة لأمريكا”.
التغيير الاستراتيجي الذي يحدثه ترامب، يدشن مرحلة فريدة في العلاقات الدولية. فالدول الغربية لن تستطيع أن تسير بعيداً عن القيادة الأمريكية حتى وإن اختلفت معها، لكن التحالف الغربي برمته قد يضعف إذا زادت الانقسامات وتعمقت وطالت مدتها.
معضلة التعامل مع أوكرانيا وتسوية وضع روسيا هما الاختبار الأكبر بالتأكيد، لأن نتيجة ذلك سترسم مشهد الأمن في أوروبا، وهو المشهد الذي هيمنت فيه أمريكا وحلفاؤها الغربيين، منذ نهاية الحرب الباردة وسقوط الاتحاد السوفيتي وكتلته الشرقية.
وها هو ترامب اليوم يريد مراجعة المعادلة التي رسمت المشهد وتمثلت بقيادة أمريكية وإنفاق عسكري أمريكي كبير ومشاركة أوروبية وغربية أقل بكثير من أمريكا عسكرياً، ولكن مع اصطفاف سياسي خلف قيادة واشنطن.
بالنسبة لترامب تتمثل الأولوية في إنعاش الاقتصاد الأمريكي وإعادة تعزيز القوة الاقتصادية والصناعية الأمريكية، ويرى أن الحلفاء يحتاجون الولايات المتحدة أكثر مما تحتاجهم.
ويذهب منهج ترامب أبعد من ذلك، ليناقش فكرة العداء والخصومة مع روسيا، ويريد إنهاءهما تعزيزاً للسلام العالمي. وقد يؤدي ذلك إلى التوافق مع الصين أيضاً، ولكن مع استمرار الولايات المتحدة في احتلال المركز الأول اقتصادياً وسياسياً.
ولكن ترامب سيحتاج إلى الحلفاء، مهما كانت قوة أمريكا، وحتى إذا كانت حاجة هؤلاء الحلفاء إليه أكبر وأكثر.
ترى شفراويل أن الدبلوماسيين الأوروبيين يعملون على وضع خطط بديلة، في حال أدت تحولات ترامب إلى التوصل إلى اتفاق مع روسيا من غير مشاركة الأوكرانيين والأوروبيين. ولكنها تستبعد في الوقت ذاته، التوصل إلى هذا الاتفاق، مشيرة إلى أن أي توافق يستثني الأوكرانيين والأوروبيين قد يكون هشاً وقد ينهار، مما سيؤدي إلى خسارة ترامب لما يريد أن يعتبره إنجازاً كبيراً، وهو إنهاء حرب أوكرانيا. أما غاريث مارتن، الأستاذ في الجامعة الأمريكية للخدمة الدولية، فيعرب عن قلقه من أن انهيار التحالف الغربي، سيعني بروز تحالفات إقليمية أصغر مما سيجعل العالم أقل استقراراً، إذ قد يقود ذلك لاشتعال التنافس بين الأطراف الدولية المختلفة، ويصبح العالم في وضع أخطر.
لكن ترامب لا يتحدث الآن عن انسحاب من حلف شمال الأطلسي (الناتو) مثلاً، بل يقول إنه يريد أن يكون رجل سلام. ويقول مساعدو ترامب إنه يريد السلام من خلال القوة، وإنه لن يكون هناك تراجع للقوة الأمريكية، ولكن منح الأولوية لأهمية إحلال السلام وإنهاء الحروب.
بدأ ترامب تغييراته الاستراتيجية بسرعة، وفي مستهل فترته الرئاسية. وفي العادة تأخذ تلك التغييرات وقتاً طويلاً وتخضع للمشاورات مع الحلفاء وللتعديلات. لكن العالم اليوم الذي يضم حلفاء لترامب وخصومه، يتعامل مع مرحلة جديدة تُختبر فيها بصورة غير مسبوقة أمريكا وقوتها وقيادتها للغرب.
المصدر: صحيفة الراكوبة