دفاعا عن البانيز أمد للإعلام

أمد/ من الشواهد المؤكدة، التي لا تحتاج الى براهين لتأكيد المؤكد، الذي ترسخ في الوعي والذاكرة الإنسانية العالمية، أن الغرب الامبريالي لم يكن يوما ملتزما بالقانون الدولي، ولا بميثاق الهيئات الدولية من عصبة الأمم الى هيئة الام المتحدة، ولا بأية معاهدات دولية في حال تعارض قرار من قراراتها مع مصالح هذه الدولة او تلك من معسكر الرأسمال الغربي، وفي ذات السياق، رفضت وترفض أي ممثل أممي ينطق بالحقيقة، ويعكس روح قرارات وقوانين الهيئات الدولية في محاكاة الواقع البائس والسلبي في أي بقعة من الكرة الأرضية، وتلاحق الممثل الدولي بغض النظر عن جنسه، أو هويته القومية، أو دينه ومعتقده الفكري السياسي. وما تقبل به دول الغرب الرأسمالي بكل مكوناتها، هو ما يتوافق مع رؤيتها وما يخدم سياساتها ومصالحها القومية ومصالح حلفائها. لأن القانون الناظم للبرجوازية العالمية منذ نشوئها وتسيدها في المجتمعات الصناعية يرتكز على مبدأ “استغلال الانسان للإنسان”، رغم تبنيها لقوانين ومبادئ وقيم مغايرة لجوهر سياساتها، مثل الديمقراطية وحرية الرأي والتعبير والانتخابات الحرة وقيم المساواة واحترام حقوق الانسان، لكن كل ما تقدم، تستخدمه لتضليل الرأي العام القومي والاممي لخدمة أهدافها ومصالحها، لأنه في اللحظة التي تتعارض فيها الديمقراطية والانتخابات وحرية الرأي وحقوق الانسان مع توجهاتها، فإنها تبطش بها، وتتنكر لها، وترفع السلاح في وجه كل من يهدد مصالح النظام السياسي والدولة العميقة، أو يشكل خطرا على مواقع نفوذها في العالم، ويؤثر سلبا على نهب ثروات الشعوب التابعة.
باختصار ذلك ثابت من ثوابت النظام البرجوازي العالمي منذ القرن السادس عشر حتى يوم الدنيا الراهن في العقد الثالث من الالفية الثالثة. وإذا توقفنا في مثال راهن وملموس على موقف إدارة ترمب الحالية (في دورتها الثانية)، نرى أنها تشن حملة مسعورة على المقررة الخاصة لمجلس حقوق الانسان، فرانشيسكا البانيز الإيطالية الجنسية، التي تم تعيينها في المنصب الاممي الحالي في آذار / مارس 2022، وتولت مهامها مطلع أيار / مايو من ذات العام، سبب الحملة ضدها يعود لنزاهتها، وعكسها مأساة ونكبة وكارثة الشعب العربي الفلسطيني قبل واثناء الإبادة الجماعية المتواصلة منذ 7 تشرين اول / أكتوبر 2023، حيث نقلت وجع والام وأنين الناس وخاصة الأطفال والنساء والشيوخ والابرياء العزل، الذين يموتون امام أنظار العالم جوعا ومرضا وعطشا وقتلا بأسلحة الدمار الشامل، والأسلحة الكيماوية وحتى النووية التكتيكية لتحقيق أهداف الإبادة التكتيكية والاستراتيجية، المتمثلة: بالأفراج عن الرهائن الإسرائيليين، وتوسيع نطاق الإبادة الجماعية عبر الاسلحة المتعددة المذكورة آنفا، وتهيئة الواقع لتنفيذ مخطط التهجير القسري والتطهير العرقي لأبناء الشعب العربي الفلسطيني من وطنهم الام فلسطين، من كل فلسطين التاريخية بما في ذلك حملة الجنسية الإسرائيلية المقيميين في الجليل والمثلث والنقب والمدن المختلطة، وليس من قطاع غزة والقدس العاصمة ومحافظات شمال الضفة الفلسطينية فقط. لان الهدف الاستراتيجي نفي وسحق الشعب الفلسطيني بشكل كلي، واغتصاب هويته وموروثه الحضاري بدعم واسناد مطلق من الولايات المتحدة الأميركية، التي ناصبت وتناصب الشعب الفلسطيني العداء تاريخيا، ولعبت الدور الرئيس في إقامة ونشوء دولة إسرائيل النازية واللقيطة.
وتوجت الحملة الأميركية على المقررة الأممية الخاصة لحقوق الانسان، البانيز بإرسال البعثة الأميركية لدى الأمم المتحدة رسالة الى الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيرش، أعلنت فيها معارضتها لتجديد ولاية فرانشيسكا البانيز كمقررة خاصة للأمم المتحدة، ودونت البعثة منشور لها على منصة “إكس”، إن البانيز “انتهكت بوضوح مدونة السلوك الخاصة بالأمم المتحدة، وهي غير مؤهلة لهذا الدور. وأضاف المنشور “إعادة تعيينها ستظهر أن الأمم المتحدة تتسامح مع الكراهية المعادية للسامية ودعم الإرهاب.” وكان النائب برايان ماست، رئيس لجنة الشؤون الخارجية في الكونغرس الأميركي بعث رسالة الى رئيس مجلس حقوق الانسان التابع للأمم المتحدة يوم الثلاثاء الأول من نيسان / ابريل الحالي رافضا فيها تجديد ولاية البانيز، التي ستمتد لفترة ثانية مدتها 3 سنوات، جاء فيها “ان المقررين الخاصين للأمم المتحدة عليهم واجب الالتزام بمدونة السلوك المنصوص عليها في قرار المجلس، التي تنص على وجوب تصرفهم بطريقة مستقلة ومحايدة.” وأشار ماست في رسالته الى أن “المقررة الخاصة البانيز فشلت في الالتزام بمدونة السلوك.” وتابع “لقد انحازت باستمرار الى ارهابيي حماس، واتهمت إسرائيل بارتكاب إبادة جماعية، وشبهت حكومة إسرائيل بالرايخ الثالث، وقارنت رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بأدولف هتلر.”
وكلا الموقفين يقلب الحقائق رأسا على عقب، ويتجنى على المقررة الخاصة للأمم المتحدة، البانيز، ويتناقض مع ابسط معايير مجلس حقوق الانسان الاممي، ودور ومهام المقرر الخاص للمجلس، والذي ينص بشكل واضح وصريح على، أولا التحقيق في انتهاكات مبادئ وأسس القانون الدولي والقانون الإنساني الدولي واتفاقية جنيف المتعلقة بحماية المدنيين في وقت الحرب المؤرخة في 12 آب/ أغسطس 1949، التي ترتكبها إسرائيل في الأراضي الفلسطينية المحتلة في العام 1967؛ ثانيا تلقي البلاغات والاستماع الى الشهود واستخدام الإجراءات التي يراها ضرورية لولايته؛ ثالثا رفع التقرير بشأن ما خلص اليه من استنتاجات وتوصيات الى الدورة المقبلة للجنة حقوق الانسان الى حين انتهاء الاحتلال الإسرائيلي لتلك الاراضي. والمقررة البانيز لم تخالف ولم تتجاوز حدود صلاحياتها كمقررة وفقا للقانون الدولي والاسس الأممية المنصوص عليها آنفا، بل كانت منسجمة تماما مع روح تلك المحددات لمهامها. لأن الإبادة الجماعية التي قادتها الولايات المتحدة مع إسرائيل النازية وحلفائها من الغرب الرأسمالي بعد 7 تشرين اول / أكتوبر 2023 على الشعب كل الشعب الفلسطيني وخاصة الأطفال والنساء والابرياء العزل عموما، والتي أودت بحياة نحو ربع مليون فلسطيني بين شهيد وجريح ومفقود، ودمار هائل لنحو 90% من الوحدات السكنية في قطاع غزة، لا يمكن لالبانيز أو ممثلو الأمم المتحدة بدءً من الأمين العام مرورا بكل المسؤولين الامميين ذات الاختصاص التغاضي عنها، او إدارة الظهر لها، بل أملى الواجب تشخيصها وتسليط الضوء عليها، وكشف الحقائق كما هي، وأماط اللثام عن وجه إسرائيل النازية ومن يقف خلفها، وبالتالي فإن فرانشيسكا البانيز تستحق التقدير والثناء على مواقفها الأممية الصادقة، وتملي الضرورة التجديد لها لمواصلة دورها الاممي المحايد وغير المنحاز في نقل الحقيقة دون خشية من بلطجة الولايات المتحدة وإسرائيل ومن يقف الى جانبهم، وشكرا للسيدة الأممية الشجاعة، لأنها أنصفت الشعب الفلسطيني، ونطقت بما تمليه عليها مسؤولياتها الأممية.