بتهمة (التعاون)، نُصبت مشانق ونُفذت إعدامات ميدانية واعتقالات وسُجن كثيرون لا لشئ سوى رفضهم للحرب في السودان أو مخالفتهم للخط السياسي للحاكمين وفق ما يرى خبراء.
التغيير: نيروبي: أمل محمد الحسن
كاللصوص؛ تسلق أفراد من الخلية الأمنية حائط منزل (طاهر) اسم مستعار في الثانية صباحا بإحدى قرى الجزيرة ليقتادوه إلى معتقلاتهم وسط انزعاج ودهشة أسرته التي علمت لاحقا أن التهمة هي (التعاون مع الدعم السريع).
لم يتم تقديم )طاهر( لمحاكمة، وبعد تدخل بعض معارف الأسرة في القوات المسلحة تم الإفراج عنه بعد قضائه لأكثر من أسبوع في المعتقلات دون أن تتمكن أسرته من التواصل معه، وهو لا يعلم حتى الآن لماذا تم اتهامه بهذه التهمة وهو من فقد ابن اخته تحت التعذيب في معتقلات الدعم السريع.
تعذيب، إهانات وسب
ألقي (سيد) اسم مستعار في غرفة الاحتجاز في أحد مقرات الخلية الأمنية بولاية الجزيرة، وهو في شبه غيبوبة بعد تعرضه للضرب المبرح بسلك كهربائي بينما كان ثلاثة عساكر يضعون أحذيتهم على رأسه وجسده لتثبيته على الأرض فيما يتلقى (شاي الصباح) ويعني التعذيب الصباحي قبل التحري، كما أمر قائدهم!
في غرفة احتجاز تفوح منها روائح البول النفاذة، مساحتها حوالي 8 امتار في 6 يشاركها (سيد) مع 54 سجينا آخرين، يمنحون جميعا وجبتين في اليوم عبارة عن عصيدة مطبوخة بنصف كيلو عدس كما أخبرهم الطباخ.
يسمح للمساجين باستخدام المراحيض الثلاثة منزوعة الأبواب صباحا فقط، ويتبولون بقية اليوم في 3 جرادل مخرومة موضوعة داخل الزنزانة، ليجدوا البول قد رسم جداول عبرهم صباحا، فيما يمنعون من الاستحمام أو تغيير ملابسهم حتى انتشر القمل بينهم، ويتيممون لأداء الصلاة.
أثناء التحري يتعرض (سيد) للضرب لكن ما كان يؤلمه اكثر هو الشتم لأمه وسب العقيدة وكل رد على سؤال منه يتم الرد عليه بالضرب والإهانة. “لقد أحضرت محمد بن زايد للسودان، لقد أحضرت الصهاينة للبلاد” كانت هذه التهم الموجهة اليه إلى جانب تمويله لقوات الدعم السريع.
“من هم مثلي لن يستطيعوا يوماً لقاء حاكم ابو ظبي”! يتمتمم سيد في ردوده فتنهال عليه الصفعات والركلات والشتم، ويقول لـ(التغيير) متسائلا في حنق: إن كنت استطيع تمويل الدعم السريع فلماذا لا أقوم بتكوين المليشيا الخاصة بي؟!
التهمة أدهشت القاضي نفسه الذي نظر لـ”سيد” النحيل مخطوف الوجه من التعذيب وسأل: ماذا يعمل هذا الرجل المتهم بتمويل قوات عسكرية ماديا؟؟ ولم تكن التهمة لتصمد أمام معرفته بأنه يملك مطعم صغير لبيع الفول وسيارة صغيرة هزيلة لا تستطيع أن تتحرك لمسافة أبعد من حدود قريته الصغيرة.
تم إسقاط تهمة التعاون، لكن سيد ما زال يواجه تهمة “تقويض النظام الدستوري”.
تهم تعاون لنساء
“اديتيهم موية”.. كانت هذه هي تهمة مريم يعقوب (58 عاما) في تعاونها مع الدعم السريع، لكن هذه التهمة لم تتم مواجهتها بها في قاعات المحاكم، بل في فيديو انتشر على مواقع التواصل الاجتماعي أظهر مجموعة مسلحة تتبع للجيش في منزلها بقرية “نعيم الله” بولاية الجزيرة وهم يضربونها ويشتمونها بألفاظ نابية وعنصرية بينما يبحثون وسط أغراض منزلها عن أسلحة مخبأة.
لم ينقذ السيدة الكبيرة في السن من مصير مجهول سوى حملة على السوشيال ميديا للكشف عن مصيرها بعد أن هز الفيديو الذي وثق هذا الانتهاك السودانيين، ما أجبر السلطات الأمنية على نشر فيديو آخر لها من مقر رسمي تقول فيه إنها بخير.
https://www.altaghyeer.info/ar/2025/01/18/%D9%85%D9%82%D8%B7%D8%B9%D9%81%D9%8A%D8%AF%D9%8A%D9%88%D8%B5%D8%A7%D8%AF%D9%85%D9%84%D8%A3%D9%81%D8%B1%D8%A7%D8%AF%D9%85%D9%86%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%8A%D8%B4%D9%8A%D9%87%D9%8A%D9%86%D9%88%D9%86/
نساء كثيرات واجهن أحكاما متنوعة تحت تهمة التعاون مع الدعم السريع، لكن قصة “يواء” بنت حي المزاد العريق بمدينة بحري التي لم يشفع لها عملها التطوعي في توفير المياه للحي وحكم عليها بالإعدام، كانت الأكثر جذبا للتعاطف.
وقبل أن يتم الحكم عليها؛ كشفت خادم الله موسى عبد الغني الشهيرة بـ”يواء” في تسجيلات صوتية الحملة التي تعرضت لها بسبب كشفها بعض المتورطين في جرائم السرقة في الحي والذين قاموا بتلفيق التهم والشهود لها ولم يهدأ لهم بال حتى حكم عليها بالإعدام!
https://www.facebook.com/share/v/1E16UKGbKJ/?mibextid=wwXIfr
بلاغات كيدية
يتم فتح البلاغات في مواجهة المتهمين على الرغم من عدم وجود مادة في القانون الجنائي السوداني تحت هذا المسمى وفق الخبير القانوني المعز حضرة الذي أكد أن ما يحدث هو تحوير لبعض النصوص القانونية لمحاكمة الناشطين من ثورة ديسمبر وكل من يقول “لا للحرب”.
وقال حضرة لـ(التغيير) إن كل هذه البلاغات تحت تهم التعاون ما هي إلا بلاغات كيدية، مشيرا إلى البلاغات التي فتحت في مواجهة رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك وعدد من القيادات السياسية في تحالف قوى الحرية والتغيير.
المعز حضرة: الخلية الأمنية “جسم غريب” لا وجود له في الإجراءات الجنائية
الخلية الأمنية
معظم البلاغات والاعتقالات التي رصدتها (التغيير) تتم عبر جسم يسمى “الخلية الأمنية” لم يكن له وجود قبل حرب الـ15 من أبريل، تتخذ من مقرات قديمة كانت تستخدم في أغراض مختلفة، من منازل، مدارس ومقرات حكومية، مراكز للاعتقال والتعذيب وتكون هي الشاكية أمام المحاكم في كثير من الأحيان.
ووصف الخبير القانوني الخلية بـ”الجسم الغريب” الذي لا وجود له في الاجراءات الجنائية أو النيابة، كاشفا عن كونها خلايا يقودها الإسلامويون الذين كانوا سابقا جزءاً من مكونات الأمن الطلابي أو الشرطة.
“اعترفوا بأنفسهم بأنهم يلفقون التهم ويقدموها للقضاء”، مضيفا: هذا فيه إهانة للقضاء نفسه، وإن كان هناك وجود لنيابة وقضاء نزيهين كان الأجدر أن يتم فتح بلاغات في مواجهة أعضاء هذه الخلايا الأمنية التي تؤثر على سير العدالة وهذه مادة موجودة في القانون الجنائي السوداني
العفو عن المنتهكين
في الوقت الذي يتم فيه اتهام المواطنين والناشطين بالتعاون مع الدعم السريع؛ يتم الترويج لعودة بعض القيادات العسكرية والسياسية التي عملت مع تلك القوات للبلاد مثل إبراهيم بقال الذي كان يشغل منصب والي الخرطوم قبل استعادتها من قبل الجيش إلى جانب قائد عسكري ميداني يعرف بـ”السافنا”.
وفي اكتوبر من العام 2024 انضم القائد أبو عاقلة كيكل للجيش؛ الذي كان مكلفا من قائد الدعم السريع “حميدتي” لإدارة ولاية الجزيرة بعد أن قاد المعارك التي سيطر فيها على كامل الولاية بين ديسمبر من العام 2023 ومطلع العام 2024.
استيعاب القيادات العسكرية التي شاركت في انتهاكات قوات الدعم السريع ضمن كوادر الجيش دون تقديمهم لأي محاسبة يشير إلى أن تهم التعاون مخصصة للقضاء على الخصوم السياسيين وفق ما يرى رئيس دائرة الإعلام بحزب الأمة القومي مصباح أحمد.
مصباح أحمد: تهم التعاون مخصصة للقضاء على الخصوم السياسيين
استهداف السياسيين
وأشار مصباح لـ(التغيير) إلى عدد من قيادات وأعضاء الحزب الذين واجهوا تلك البلاغات الكيدية حد وصفه، منهم عضو المكتب السياسي محمد دينق الذي تم الحكم عليه بالإعدام، والصادق يعقوب الذي يواجه عقوبة السجن لمدة 10 سنوات، وابن الصادق ضو البيت الذي بعد أن قضى سنة كاملة من حكم عشرين عاما تمت تبرئته.
وأضاف: هناك أحد الأحباب في ولاية النيل الأزرق تم الحكم عليه بالإعدام، ثم خفف لـ20 عاما قبل أن يحصل على البراءة “هذه كلها استهدافات مباشرة لكوادر حزب الأمة”.
وقال رئيس دائرة الإعلام بحزب الأمة إن شقيقه معلم المرحلة الثانوية وإمام المسجد في حيه، ميسرة أحمد محمد معتقل منذ اسبوعين في بلاغ كيدي بولاية الخرطوم على الرغم من عدم علاقته بالسياسة.
وفق أحمد فإن إتهامات المكايدة السياسية منتشرة في مناطق سيطرة الجيش في الخرطوم ومدني وعدد من الولايات التي يسعى عبرها عناصر المؤتمر الوطني لمواجهة خصومهم من القوى المدنية والسياسية خاصة شباب غرف الطوارئ ولجان المقاومة.
وأكد أحمد أن المتهمين يتم وضعهم في المعتقلات دون عرضهم على النيابات فيما يتعرض الكثير منهم للتعذيب وعمليات الإخفاء القسري “هذه الظاهرة تؤكد انعدام القانون والعدالة وتؤثر على التعافي الوطني”.
إعدامات ميدانية
المتهمون بالتعاون الذين يتم القبض عليهم وتقديمهم لمحاكمات حتى وإن افتقرت لأسس العدالة يعتبرون أنفسهم محظوظين في مقابل متهمين آخرين يواجهون الموت الفوري ممن ينصبون أنفسهم حكاماً وجلادين في الوقت نفسه.
رئيس حزب الأمة بمحلية أم روابة الطيب عبيد الله أحد هذه النماذج؛ ففي ذات اليوم الذي سيطر فيه الجيش على المدينة في يناير من العام الحالي، تم قتله في الطريق وذلك لجهة ظهوره في فيديو يندد فيه بقصف الطيران للمدنيين ويطالب بتوجيه السلاح نحو قوات الدعم السريع.
مجازر أخرى شملت عمليات ذبح حدثت بعد استعادة الجيش لولاية الجزيرة كانت في مواجهة مواطني دارفور الذين يقطنون في الكنابي منذ عشرات السنين بوصفهم حواضن تتبع لقوات الدعم السريع، دون أن يسمح لهم بالدفاع عن أنفسهم أو يقفوا أمام القضاء أو يحضروا شهودا لنفي التهم.
“يجب أن يحاكم عسكري الجيش الذي هرب وترك المواطنين وحدهم” هذا ما قاله الخبير القانوني المعز حضرة، معربا عن حزنه للمحاكمات “المعدة سلفا” في مواجهة أشخاص كل جريرتهم أن ظروفهم منعتهم من الخروج من مناطق سيطر عليها الدعم السريع بسبب الظروف الاقتصادية وباتوا يعتمدون في غذائهم على “التكايا” بعد فرار قوات الجيش منها.
محكمة دستورية
في أغسطس من العام 2023 كون قائد الجيش عبد الفتاح البرهان لجنة للتحقيق في الانتهاكات التي ارتكبتها قوات الدعم السريع، وبحسب تقارير صحفية، فإن هذه اللجنة دونت أكثر من 15 ألف بلاغ في مواجهة متعاونين مع تلك القوات.
صدرت في مواجهة بعض المتهمين بالتعاون أحكاما بالإعدام طالت العشرات منهم، وفي شهر يوليو الماضي فقط صدر أكثر من 50 حكما بالإعدام في مختلف مناطق سيطرة الجيش.
ولا يبدو أن هؤلاء المحكوم عليهم بالإعدام سيكون لهم متسع من الأمل عقب تعيين “وهبي أحمد مختار” رئيسا جديدا للمحكمة الدستورية والذي كان يشغل هذا المنصب في فترة حكم البشير وفق الخبير القانوني المعز حضرة.
ويأخذ حضرة على قاضي المحكمة الدستورية تجويزه عدم إلزام القضاة بإصدار إعلان لشهود الدفاع ووصف حكمه بـ”المخزي”، محذرا من أن إعادته لذات المنصب سيجعل المحاكمات تفتقر لمبادئ المحاكمة العادلة.
وأكد حضرة أن المحامين الذين تصدوا للدفاع عن المتهمين بالتعاون مع الدعم السريع يواجهون صعوبة بالغة في القيام بمهامهم ويتعرضون للتهديد هم وشهودهم، مشيرا إلى سابقة تعرض محامية من شمال السودان كانت تظهر في تلك البلاغات للضرب من جهة مجهولة وإلقاؤها في العراء.
وقال في حديثه مع (التغيير) إن أحد زملائه القانونيين “منتصر عبد الله” الذي تم تكليفه كمحامي دفاع عن رئيس الوزراء السابق حمدوك تم القبض عليه بواسطة الخلية الأمنية عندما ذهب ليعرف تفاصيل التهم من النيابة.
المصدر: صحيفة التغيير