مسيَّرات داعش تقلب موازين المعركة في غرب أفريقيا

باماكو في تحولٍ إستراتيجي لافت في تكتيكات الجماعات الإرهابية في غرب أفريقيا، يظهر تنظيم “داعش غرب أفريقيا” في الآونة الأخيرة كأحد أبرز اللاعبين الذين يبتكرون أساليب جديدة باستخدام التقنية الحديثة، في مقدمتها المسيّرات المسلحة.
ويرى محللون أن هذا التطور يعتبر تحولا جوهريا في طريقة تنفيذ الهجمات ضد القوات الحكومية في منطقة حوض بحيرة تشاد، إذ يساهم استخدام هذه التكنولوجيا في تغيير قواعد اللعبة الأمنية، ما يشكل تحديا كبيرا أمام القوى الإقليمية والدولية في مواجهة هذه التهديدات مع تزايد الأطراف المعتمدة للمسيرات خاصة في مالي حيث تلعب المسيرات التركية دورا مؤثرا لصالح القوات الحكومية.
ويشير المحللون إلى أن هذا التحول التكنولوجي يضاعف من تعقيدات الحرب ضد الإرهاب في واحدة من أخطر مناطق العالم. فبدلا من استخدام المسيّرات لأغراض الاستطلاع فقط، بدأ التنظيم بتعديل هذه الأجهزة لتصبح منصات هجوم مسلحة، وهو ما يمثل تهديدا جديدا يضاف إلى سلسلة التحديات القائمة.
التوسع في استخدام المسيرات
كان تنظيم “داعش غرب أفريقيا” قد بدأ باستخدام المسيّرات منذ عام 2022، حيث كانت تُستخدم لتصوير أهداف إستراتيجية وتوثيق تحركات القوات العسكرية في المنطقة، بالإضافة إلى كونها أداة دعائية لنشر مقاطع الفيديو على منصات الإنترنت. لكن هذا الاستخدام شهد قفزة نوعية في ديسمبر 2024، عندما شن التنظيم هجوما باستخدام أربع مسيّرات مسلحة محملة بقنابل يدوية على قاعدة العمليات الأمامية للجيش النيجيري في واجيروكو بمنطقة دامبوا الشمالية الشرقية.
وأسفر الهجوم الذي تضمن أيضًا هجمات برية تقليدية عن إصابة خمسة جنود، كان بمثابة نقطة تحول في كيفية استخدام التنظيم لهذه التكنولوجيا، ما يعكس تصعيدًا في أساليب القتال. ويعكس الهجوم أن تنظيم داعش غرب أفريقيا قد تجاوز مرحلة التجسس والتوثيق باستخدام المسيّرات، ليتجه نحو استخدامها كأدوات هجومية مدمرة.
ويعد هذا تحولا في غاية الأهمية لأن استخدام المسيّرات المسلحة في الصراع يوفر للجماعة الإرهابية العديد من المزايا التكتيكية. وأشار الباحث الأمني تايو أديبايو، في مقال نشره معهد الدراسات الأمنية بجنوب أفريقيا، إلى أن “استخدام المسيّرات المسلحة في العمليات الميدانية يعد تطورا مثيرا للقلق من حيث التكتيكات والتطور، إذ يرفع مستوى التهديدات التي تواجهها القوات الحكومية، ويجعل من الصعب التنبؤ بالهجمات.”
ويذهب الدكتور يحيى أحمد، الباحث في شؤون الأمن الدولي، إلى أبعد من ذلك بتوضيح أن هذه التكتيك يتيح لـ”داعش غرب أفريقيا”، “تنفيذ هجمات دقيقة ومنخفضة التكلفة على أهداف عسكرية ومدنية، دون الحاجة إلى مخاطرة بشرية مباشرة، ما يعزز من فاعلية العمليات ويزيد من صعوبة اكتشافها أو التعامل معها من قبل القوات المعادية.”
ويشكل هذا الاستخدام للمسيّرات المسلحة تحديا ضخما على المستويين الإقليمي والدولي. فبينما كانت الجماعات الإرهابية في الماضي تعتمد على الهجمات الانتحارية أو الهجمات البرية التقليدية، فإن “داعش غرب أفريقيا” قد تمكن الآن من تنفيذ ضربات دقيقة بواسطة تكنولوجيا متطورة، ما يزيد من تعقيد عمليات الرد. كما أن سهولة الوصول إلى هذه التكنولوجيا على مستوى السوق المحلية، خاصة المسيّرات رباعية المراوح (كوادكوبتر)، تجعل من الصعب تتبع وتحديد المصادر المستخدمة من قبل الجماعة الإرهابية.
التكتيك المضاد
في مواجهة هذا التطور، بدأت دول منطقة حوض بحيرة تشاد، خصوصًا نيجيريا، في تطوير إستراتيجيات لمكافحة استخدام المسيّرات في الصراع. وعلى سبيل المثال، اعتمد الجيش النيجيري جهاز “سكاي وايبر” الليتواني، الذي يعمل على تشويش إشارات المسيّرات وإعاقة نقل البيانات وإشارات الملاحة، ما يؤدي إلى تحطيم المسيّرة أو إجبارها على العودة إلى نقطة انطلاقها.
ورغم ذلك، فإن هذه التقنيات المضادة لا تكفي وحدها لمواجهة هذا التهديد بشكل فعال، حيث يبقى “داعش غرب أفريقيا” قادرًا على تعديل هذه الأجهزة بطرق مبتكرة. ويقول المحلل الأمني النيجيري تشيدي أوميجي أن هذا التحول التكنولوجي يتطلب “ابتكار طرق جديدة لمكافحة التقنيات التي يستخدمها التنظيم، حيث أصبح الوضع أكثر تعقيدًا بسبب استخدام هذه التكنولوجيا المتقدمة.”
وتعتبر المسيّرات المسلحة أداة حرب غير متماثلة تحمل في طياتها تحديات إستراتيجية جديدة تواجه قوات مكافحة الإرهاب في غرب أفريقيا. ويجعل هذا التطور التكنولوجي من تنظيم “داعش غرب أفريقيا” لاعبًا أكثر فاعلية، إذ أصبح بإمكانه تنفيذ هجمات دقيقة ودون تعريض عناصره للخطر المباشر.
وبالرغم من الجهود المبذولة من قبل بعض الدول لتطوير أساليب مضادة، فإن هذه التقنية تفتح بابًا واسعًا لإعادة تشكيل أسس الحرب ضد الإرهاب في المنطقة، ما يضاعف من تعقيد الأوضاع الأمنية في بحيرة تشاد ويضع ضغوطًا جديدة على القوات العسكرية الإقليمية والدولية.
وبالإضافة إلى ذلك، فإن استخدام المسيّرات المسلحة لا يقتصر على “داعش غرب أفريقيا” فقط، بل يمكن أن يعزز القدرة القتالية للعديد من الجماعات الإرهابية الأخرى التي قد تتبنى نفس التكتيك، ما يستدعي إستراتيجيات مكافحة مبتكرة وتعاونًا دوليًا أكبر لمواجهة هذا التهديد المتزايد.
ويشير محللون إلى أن هذه التكنولوجيا لا تشكل مجرد أداة هجومية جديدة، بل تؤثر بشكل جذري على معركة مكافحة الإرهاب في غرب أفريقيا، إذ أن سرعة تطور هذه التقنيات وتكلفتها المنخفضة تجعلان من الصعب وقف انتشارها، ما يعزز من حاجة القوات العسكرية في المنطقة إلى ابتكار طرق جديدة لمكافحة هذه التهديدات المتطورة.
ويكمن التحدي الأكبر في كيفية توفير دعم عسكري وتقني يمكن أن يواكب هذا التحول السريع في أساليب الحرب. وستحتاج القوى الإقليمية والدولية إلى اعتماد إستراتيجيات شاملة للتصدي للتهديد المتزايد للطائرات المسيّرة المسلحة. وقد يشمل ذلك زيادة التعاون بين الدول الإقليمية لتعزيز القدرات المضادة للطائرات المسيّرة، وكذلك تبني تقنيات جديدة للكشف والتشويش على هذه الطائرات.
وعلى المستوى الإقليمي، يُتوقع أن تستمر جهود قوة العمل المشتركة متعددة الجنسيات، التي تضم القوات من نيجيريا والكاميرون وتشاد والنيجر، في تعزيز التنسيق لمواجهة التهديدات المتزايدة. إلا أن تزايد قدرة الجماعات الإرهابية على استخدام الطائرات المسيّرة يجعل هذه المهمة أكثر صعوبة.
المصدر: صحيفة الراكوبة