مؤانسة رمضانية (27) … فضل الله محمد: قلنا ما ممكن تسافر

فيصل محمد صالح
قصدت أن أؤجل الكتابة عن الأستاذ فضل الله محمد، الصحفي والشاعر والقانوني الذي رحل عن عالمنا في ديسمبر من عام 2021 إلی نهاية المؤانسات.
والأستاذ فضل الله شخصية عامة، وكثير من جوانب سيرته الذاتية معروف ومبذول في الاسافير.
لكني أكتب هنا من واقع الاحتكاك الشخصي والمهني، فهو رئيس التحرير الذي بدأت معه مسيرة العمل الصحفي، ولم أعمل طوال حياتي كصحفي محترف مع رئيس تحرير غيره، لكني بدأت بعد ذلك الكتابة في كثير من الصحف، لكن لم يكن لدي احتكاك يومي مع رؤساء تحريرها.
دخلت عليه مكتبه، وأنا خريج جديد، برفقة الصديق عثمان نمر الذي سبقني بالعمل في جريدة الصحافة، قدمني له بكلمتين ثم خرج. وقفت أمام الاستاذ وأنا مضطرب ومتردد، كانت له هيبة مميزة، بعد أن طالت وقفتي حركت أقدامي لأشعره بوجودي، رفع راسه خاطبني بكلمتين، ثم حولني لاحد اقسام الصحيفة لبدء العمل كمتدرب.
ولفترة طويلة لم استطع أن أقيم أي علاقة مع أستاذ فضل الله خارج نطاق العمل، فالانطباع الاول أنه شخص منطوي، غير اجتماعي، ولا تعرف من خلال التعامل معه إذا كان هو يعرفك أم لا، ثم جاءت ظروف بعد ذلك هدمت كل ذلك الانطباع.
حدث لي احتكاك معه ايام الانتفاضة، وكنت مع مجموعة من صغار الصحفيين قد قدنا الدعوة داخل الصحيفة للإضراب العام، ثم تكرر الاحتكاك مساء يوم السبت السادس من أبريل.
بعد فترة تم اعتقال رؤساء تحرير الصحيفتين، الصحافة والايام، فضل الله محمد وحسن ساتي باعتبارهما من رموز مايو، عرفنا بعد ذلك أنه تم نقله للمستشفى الجنوبي بمستشفى الخرطوم عرض علي الزميل محمد راجي أن نزوره، فتقديرنا واحترامنا له لم يكن موضع شك، أذكر أننا مررنا على مكتبة كوليزيوم واقتنينا مجموعة من الصحف والمجلات الانجليزية التي كنا نعلم ولعه بها، واستأذننا من حراسته، وفوجئ بنا أمامه. قال لي بعد سنوات أن تلك الزيارة فاجأته وهزته كثيرا، وأضاف إنه لم يكن لديه أي مشاعر غضب ضدنا، فهو كان من قيادات الحركة الطلابية في جيله، ولذلك يتفهم مواقفنا وتصرفاتنا.
لكن سعى بيننا بالوشاية بعض الزملاء، سامحهم الله، وقالوا له أننا ذهبنا للمجلس العسكري واحتججنا على عدم اعتقاله..! تفرقت بيننا الايام وعدت من بعثة دراسية، وكان هو يخطط لإصدار صحيفة “الخرطوم” كامتداد لمشروع مجلة “الاشقاء” التي أصدرها دكتور الباقر أحمد عبد الله وكان الاستاذ فضل الله رئيسا لتحريرها دون إعلان.
جاءني الصديق راجي ليقول لي أن أستاذ فضل الله يريدني لامر هام، وكان أن عرض علي العمل معه في الصحيفة التي ينوي إصدارها، وقد كان.
بدات منذ تلك الفترة مرحلة جديدة في العلاقة مع الاستاذ فضل الله، فقد كنت سكرتير التحرير، ولم يكن للصحيفة مدير تحرير، لذلك كان لدي معه احتكاك يومي ومتواصل حول مواد الجريدة، وساعد ذلك على الاقتراب منه واكتشاف شخصيته الحقيقية.
الصفة الاساسية التي يمكن أن تجعلها مفتاحا لمعرفة شخصية الاستاذ فضل الله هو أنه شخص خجول جدا ولدرجة قد لا يتصورها الناس، هذا الخجل الشديد هو الذي يجعله يتحفظ في التعامل مع الناس، ولا يبادر، لكن إن بادرت أنت، وكسرت الحواجز، فستكتشف شخصا لا مثيل له في اللطف والادب والثقافة العالية والمعرفة بالناس والحياة والظرف والحكي.
تتلمذ في الصحافة على يد الأستاذ محجوب محمد صالح، فقد عمل معه وكتب في الايام لسنوات.
ولما تخرج عمل محاميا ومستشارا بديوان النائب العام، فأقنعه الاستاذ محجوب بترك العمل القانوني والتفرغ لمهنة الصحافة، وهكذا فعل. وقد أخذ من أستاذ محجوب صرامته المهنية، ومنها أن اسمه وصورته ليست للتداول في الصحيفة.
ممنوع نشر خبر شخصي عنه أو إنزال صورته لأنه سافر أو عاد أو استقبل فلانا أو علانا، أو شارك في احتفال أو مؤتمر…الخ. وكانت واحدة من مهماتي أن أراجع صور الاحتفالات العامة أو المؤتمرات والمناسبات لأتأكد أن المصمم لم يختر صورة يظهر فيها الاستاذ فضل الله.
ناداني مرة وقدم لي كاتبا صحفيا كبيرا وقال لي أنه أستاذه وطلب مني العناية بالمواد التي سيكتبها.
جاءني الاستاذ الكاتب بمادة من ثلاث أو أربع حلقات كانت كلها عن الاستاذ فضل الله وعن علاقتهما وصداقتهما وسهراتهم وبرامجهم وهم شلة أصدقاء..الخ.
كنت أعرف حساسيته، لذلك أخذت المواد ودخلت عليه في مكتبه، رأى المواد واسم الكاتب فسألني إن كنت قد “تلومت” مع الكاتب. دفعت له بالمواد، فبدأ بالقراءة وهو يتعوذ “أعوذ بالله، لا حول الله..” ثم التفت إلي “أوعى تكون نشرتها” فأجبته بالنفي.
طلب مني الاتصال بالكاتب والاعتذار عن نشر المواد ” بلطف وبأدب..موش زي طريقتك العارفا”..والطلب منه كتابة مواد أخرى. كان ناشر الجريدة ومديرها العام الدكتور الباقر سريع الانفعال والغضب ويتحدث بصوت عال، وكنت أيضا سريع الانفعال و الاستجابة للصوت العالي ، على عكس الأستاذ فضل الله الذي يتميز بالهدوء وأحيانا البرود الشديد في مواجهة الانفعال، لذلك كان طلبه الدائم لنا..” بالله كملوا شكلتكم برة، ولما تهدأوا تعالوا وروني المشكلة شنو.” لم يكن يحب الاقتراب من المسؤولين، أو إقامة علاقات شخصية معهم وبالتالي الاستفادة منهم، خرج بعد الانتفاضة من نظام مايو بسيارة متهالكة ، وقطعة أرض وزعت لكبار المسؤولين، بحكم وظيفته كرئيس مجلس إدارة بدرجة وزير دولة. ولولا النجاح الكبير لجريدة الخرطوم التي دخلها كشريك بالجهد، لما استطاع بناء بيت لأسرته.
ونتابع
المصدر: صحيفة الراكوبة