لماذا لن يحكم الجيش من جديد؟

طه جعفر الخليفة
هذا ليس نقاشاُ حول نشأة قوات دفاع السودان وليس تتبعاً لعلاقة الجيش بااسلطة في السنوات منذ 1948م إلي يومنا هذا. منذ تلك الفترة تكونت ثلاث حكومات إنقلابية قادها قادة الجيش السوداني : الفريق ابراهيم عبود من 1958م 1964م والمشير جعفر نميري 19691985م والمشير عمر البشير 1989م 2019م هذا غير الشراكة في الفترات الإنتقالية 1985م 1986م والفترة الحالية للفريق البرهان والفريق غير الخريج من الكلية الحربية محمد حمدان دقلو قأئد مليشيا عرب دارفور وكردفان تحت مسميات الجنجويد والدعم السريع وغيرهم، لا تنسوا أن في قيادة الدعم السريع ضباط منتدبون من الجيش والأجهزة الأمنية.
الجديد في حرب 15 أبريل 2023م هو شموليتها لتقريبا جميع أقاليم السودان بدرجات متفاوتة من الفظاعة و التهديد لحياة المواطنين العزّل. حرب 15 أبريل يمكن أن نصفها بالحرب الشاملة ولقد تسبب في هذه الحرب مجموعة العسكريين التابعين للأخوان المسلمون تحت قيادة الترابي وعلي عثمان وغيرهم إلي علي كرتي ممن هم في الجيش الآن. لم يعد خافيا علي أحد عمليات التجنيد الإنتقائي لضباط الجيش حيث غلب علي معظم جريجي الكلية الحربية منذ عام 1989م عناصر الأخوان المسلمين ولم يكتف الأخوان المسلمين بذلك، بل نتيجة لخوفهم من الجيش أسسوا عددا من المليشيات كان من ضمنها مليشيا بقيادة حميدتي وموسي هلال وعلي كوشيب و غيرهم أطلق عليها عليها أخيرا قوات الدعم السريع وصدر قانون ينظم تبعيتها لجهاز الأمن أو لقيادة الجيش . بدأت إجراءات تنظيم وشرعنة وجود قوات السريع منذ عام 2013م إلي أن صدر قانون بشأنها من برلمان الأخوان المسلمين في 2017م.
حرب 15 أبريل تميّزت بالإنتهاكات الجسيمة التي ترقي لجرأئم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الإبادة الجماعية، ومعلوم لدينا جميعا بالأدلة الدامغة تورط طرفا الحرب في هذه الإنتهاكات فكما أرتكبت الدعم أنتهاكات بدوية وبربرية متوحشة فعل الجيش مثلها وكأمثلة فقط علينا أن نتذكر التقارير الإخبارية عن مذابح ضد المدنين يركتهبا الطرف الذي يسيطر علي المدينة أو القرية التي ينسحب أو ينهزم فيها الطرف الآخر كما تم في الجنينة وفي الجزيرة وأم روابة والخرطوم.
شمولية الحرب تعني إتساع قاعدة الضحايا من المدنيين حيث تميزت الحرب بالكوارث الإنسانية القياسية في عدد القتلي والنازحين واللاجئين وأعداد الجرحي وأعداد المغتصبات وضحايا الإسترقاق الجنسي. أوصل الجيش السوداني والمليشيات التي صنعها رسالة قمع ووحشية وانتهاك إلي أي مواطن سوداني في أي قرية أو مدينة في عموم البلاد. لقد تجرع السودانيون سموم سيطرة الجيش علي السلطة فردا فردا.
لفهم هذا الأثر سأسرد حكاية كنت طرفا فيها. في السنوات من 1990م إلي 1995م كنت في قيادة الجبهة الديمقراطية للطلاب السودانيين وكنت أيضا في قيادة الجبهة الديمقراطية بجامعة الخرطوم. في بداية التسعينات كنت أوصل رسالة القيادة لبعض كوادر الخطابة للكلام في أركان النقاش وكنت أنتظر في ركن النقاش لأتابع إيصال الزملاء المحددين للرسالة السياسية والتنظيمية. كان طلاب جامعة الخرطوم يضحكون مع الأخوان المسلمين ساخرين من أكاذيب الجبهة الديمقراطية حول بيوت الأشباح والتعذيب و القتل الذي طال القيادات الحزبية والنقابية من التنظيمات في معارضة لنظام حكم الأخوان. كان الطلّاب يسخرون. كان أن نظمت أدارة جامعة حفل تخريج للطلاب أستضافت فيه الربير محمد صالح لتشريف الإحتفال . هتف الطلاب ضد عساكر الجبهة الإسلامية حينها بالقول يا خرطوم إشتعلي إشتعلي خلي عساكر الجبهة تولي. يا خرطوم ثوري ثوري ضد الحكم الديكتاتوري وغيرها من الهتافات التي كنا نصوغها في نوعٍ من ورش الإبداع الخطابي و الدعائي. المهم أضطر جهاز أمن النظام لإعتقال أعداد مهولة من الطلاب تم أخذهم لمواقع التعذيب بالبصات السياحية. بعده إنتشرت أخبار التعذيب والتنكيل بالخصوم السياسيين في عموم الوطن ناهيك عن الجامعات السودانية. كنت كثيرا ما أقول تلك الأيام “اللهم لا تدخلنا في التجربة” لكن فيما يبدو أننا كسودانيين نحتاج للتجارب في لحمنا ودمنا وكل عزيز لدينا وفي ممتلكاتنا لنفهم الكارثة التي تحيق بأخوتنا في الوطن. لأنه فيما يبدو لم تكن التقايرير الواردة بكثافة عن إنتهاكات الجيش وجرائمه في مناطق النزاعات المسلحة في الجنوب، في جنوب كردفان، في دارفورو جنوب النيل الأزرق كافية لتكوين درجة من الوعي ترفض وجود الجيش في السلطة أو مشاركته فيها والدليل شراكة قحت لعساكر الأخوان المسلمون المجرمين كما تم في الفترة الإنتقالية الأخيرة.
بعد هذه الرسالة الفاجعة من الجيش لا أظن أن عاقلا سيقبل بوجود الجيش في حياتنا السياسة ولا سيقبل بسيطرة الجيش الأمنية والمليشيات علي إقتصاد الوطن. من هنا أعبّر عن تضامني غير المحدود مع كل من تمت شفشفة بيته وبيع سيارته المدمرة خردة عن طريق وزير المالية في بوتسودان ، ومع كل من أٌغتٌصٍبت قريبته ومع كل تم هدم بيته ومع كل فقد ممتلكاته. كامل التضامن مع ضحايا حرب الجيش المختطف عن طريق الإسلاميين والمليشات التي صعنها وما زال يفعل.
[email protected]
المصدر: صحيفة الراكوبة