د. النور حمد

النور حمد

فكرة الإخوان المسلمين، في جوهرها، فكرة إرهابية تسعى إلى إخضاع الناس، كل الناس، لتصوراتها، عن طرق الإرهاب. فالشعار المكتوب على رايات هذه الحركة، منذ نشأتها، هو: “وأعدُّوا”؛ أي جهِّزوا السلاح وكونوا على استعداد لقتال غيركم؛ أيًّا كانوا. فالحركة ليست بحاجة لأن تقوم بتعريف هؤلاء، إلا في معنى أن كل من كان خارجًا عن دائرتها فهو كافرٌ، حلال الدم، حلال المال، حلال العرض. ولا يهم إن كان ملحدًا، أو من أهل الكتاب، أو أي دينٍ آخر. بل، حتى لو كان مسلمًا من خارج دائرتهم المغلقة، ممن لهم فهمٌ للإسلام مغايرٌ لفهمهم. باختصار، كل من كان خارجًا عن تنظيمهم، ينبغي أن يصبح هدفًا للقتال. وكلمة و”أعدوا” التي اتخذوها شعارًا، مأخوذةٌ أصلاً من الآية القرآنية، القائلة: “وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ”، وفي هذا اسقاطٌ من الماضي على الحاضر، لأن الآية قد حرّضت المسلمين، في القرن السابع الميلادي، على قتال أعدائهم، في ظرفٍ تاريخي مضى وانقضى. لكن، قام الإخوان المسلمون بنزعها من سياقها التاريخيِّ ذاك، وجعلوا منها شعارًا دائمًا للفتك بكل من هو خارج دائرتهم، في حاضرنا اليوم. وهو فتكٌ يشمل المسلمين وغير المسلمين.

قتلٌ عشوائيٌّ لا يميِّز

حياة الفرد البشري، خارج دائرة تنظيم الإخوان المسلمين، وأيِّ تنظيمٍ دينيٍّ عنفيٍّ متطرِّفٍ آخر، لا تعني شيئًا. لذلك، لا يكترث الإخوان المسلمون وغيرهم من المتطرفين كجماعة داعش، وبوكو حرام، والشباب الصومالي، وحزب الله، وجماعة حماس، إن مات الناس أو نجوا، ما داموا خارج دائرتهم. ويبدو هذا جليًّا في الهجمات الانتحارية التي يموت فيها كثيرٌ من المدنيين الذين لا علاقة لهم بما يجري بين هذه الجماعات، وبين الحكام، أو الدول، ممن يقومون بتصنيفهم كأعداء. فكم من الأفراد الأبرياء أُميتوا في تفجير السفارة الأمريكية في بيروت في عام 18 أبريل من عام 1983؟ وكم بريءٍ أُميتوا في تفجير أبراج الخبر في المملكة العربية السعودية في 25 يونيو 1996؟ وكم من الأبرياء أُميتوا في الاعتداءات على سفارات الولايات المتحدة، في شرق إفريقيا، في عام 7 أغسطس من عام 1998؟ وكم من الأبرياء أُميتوا، في تفجير مبنى التجارة العالمي في نيويورك في 11 سبتمبر من عام 2001؟ وكم، وكم من الأبرياء، أُميتوا في عشرات الهجمات الانتحارية التي جرت في عديد المواقع في مختلف البلدان. باختصار، لا يتردد المتطرفون الإرهابيون في التضحية بالأبرياء، الذين يضعهم حظهم العاثر في دائرة هدفهم، كثُروا أو قلَّوا.

الإخوان المسلمون في مصر

في عصرنا الحديث هذا، كانت مصر هي مبتدأ الإرهاب الدينو/سياسي، في العالم الإسلامي. فقد نشأت الحركة على يديْ المتطرف الإرهابي حسن البنا، في أخريات عشرينات القرن الماضي. ومن مصر انتشرت أفكارها الإرهابية في مختلف البلدان العربية. وقد اكتوت مصر أكثر من غيرها بعنف جماعة الإخوان المسلمين الإرهابية. فقد شهد القرن العشرين سلسلة من الاغتيالات التي نفذتها الجماعة في مصر. وقد جعلت الجماعة من الاغتيالات واحدة من وسائلها للوصول إلى السلطة. فقد اغتال متطرفٌ إسلاميٌّ، قبل نشوء حركة حسن البنا بقرابة العقدين، رئيس الوزراء المصري، بطرس غالي باشا، في20 فبراير 1910. كما اغتالت الحركة وتفرُّعاتها عددًا من الشخصيات المصرية الكبيرة، من بينها أحمد ماهر باشا، في 24 فبراير 1945. وأحمد الخازندار في 22 مارس 1948. ومحمود فهمي النقراشي في 8 ديسمبر 1948. ومحمد حسين الذهبي في 2 يوليو 1977. ويوسف السباعي في 18 فبراير 1978. وأنور السادات في 6 أكتوبر عام 1981. ورفعت المحجوب في 12 أكتوبر عام 1990. وفرج فودة في 8 يونيو 1992. كما جرت محاولة لاغتيال الروائي نجيب محفوظ في 14 أكتوبر 1994. وإلى جانب هذه السلسلة من الاغتيالات كانت هناك اعتداءاتٌ عنفيةٌ متكررةٌ على الكنائس المسيحية، حدثت في فترات مختلفة. منها على سبيل المثال: أحداث الخانكة عام 1972. وتفجير كنيسة القديسين عام 2011. وسلسلة الاعتداءات على الكنائس في عام 2013، عقب أحداث 2013. وتفجيرات “أحد السعف” عام 2017. كما كانت هناك هجماتٌ قاتلةٌ استهدفت السياح الأجانب في مختلف المناطق السياحية المصرية؛ في الجيزة، ومنطقة الأقصر في الصعيد، وفي شبه جزيرة سيناء والبحر الأحمر. أما نظام الترابي/البشير الذي ورث الفريق البرهان كل سوءاته وزاد عليها، فقد استضاف في فترة التسعينات من القرن الماضي، عتاة الإرهابيين الدوليين؛ كأسامة بن لادن والثعلب كارلوس. كما قاموا بمحاولة اغتيال الرئيس المصري حسني مبارك في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا في 26 يونيو 1995.

خراب غزة والخرطوم

في 15 أبريل 2023 شنت كتائب الإخوان المسلمين المتطرفة التي يرعاها جيش الفريق البرهان هجومًا مباغتًا على أحد معسكرات قوات الدعم السريع، بسبب الخلاف حول الاتفاق الإطاري الذي كان ينبغي أن ينهي حالة الانغلاق السياسية التي أعقبت انقلاب الفريق البرهان على الوثيقة الدستورية في 25 أكتوبر 2021. لم يتردد هؤلاء المتطرفون ومن ورائهم قادة الجيش في إشعال حرب مدن في عاصمة البلاد، للقضاء على قوات الدعم السريع لأنها وقفت مع القوى المدنية. وكانت النتيجة نزوح الملايين من سكان الخرطوم وولاية الجزيرة، وموت عشرات الآلاف منهم، وتدمير البنى التحتية والمؤسسات، بل، وتلُّوث الخرطوم، بصفةٍ خاصةٍ، بسبب استخدام الأسلحة الكيمائية. وهو أمرٌ أثبتته التقارير الدولية. وبطبيعة الحال، يعلم قادة الجيش، بحكم تخصصهم، خطورة حروب المدن وكارثيتها، كما يعلمون الآثار الممتدة لاستخدام الأسلحة الكميائية. لكن، بسبب تطرفهم ونزعتهم الإرهابية وحرصهم على السلطة لم يكترثوا للكلفة، أيا كانت. لم يكترثوا قط بما يمكن أن يحجث للضحايا من المدنيين، الذين لا علاقة لهم بالصراع. فكل ما كان يهمهم هو تحقيق هدفهم، لا غير.

بعد ستة أشهرٍ من إشعال الإخوان المسلمين السودانيين حرب الخرطوم المدمرة، قام تنظيم الإخوان المسلمين الفلسطيني المتطرف “حماس”، بمغامرةٍ طبق الأصل، من حيث عدم الاكتراث بحياة المدنيين. قام التنظيم، مع تنظيمات فلسطينية متطرفة أخرى، بهجومٍ مباغتٍ في 7 أكتوبر 2023، على جنوب إسرائيل. وقد أسفر ذلك الهجوم عن مقتل 1300 من المدنيين، واحتجاز 150 رهينة. تعلم حماس من تجاربها أن الرد الإسرائيلي سيكون شديدًا ومدمرًا، لكنها، رغم ذلك، قامت بتنفيذ تلك الهجمة. فهي، بحكم تطرُّفِها ولا عقلانيتها، لا تكترث بالعواقب، أيًّا كانت. وبالفعل قام الإسرائيليون في رد فعلهم بتدمير قطاع غزة بالكامل، فتشرَّد سكَّانه وأصبحوا يعيشون في العراء. بل، وبلغت بهم المأساة درجة المجاعة الطاحنة. والآن تعد إسرائيل لاحتلال القطاع بالكامل وتهجير كل السكان خارجه.

الشاهد، أن دمار الخرطوم الكارثي ودمار غزة الكارثي وقفت وراءهما عقليةٌ واحدة. وهي عقلية الإرهابي المتطرف الذي لا يرى غير هدفه، ولا يكترث كم من الأرواح البشرية ستُزهق، ولا حجم الدمار الذي سيحدث. ما يهمه هو هدفه وإثبات ذاته وفرض إرادته، لا غير. فاستخدام السلاح الكيميائي في الخرطوم لا يختلف في دوافعه، وفي نتائجه، وفي الدلالة على طبيعة الفاعل، عن استخدام صدام حسين للغازات السامة ضد الأكراد، في حلبجة العراقية، في 16 مارس 1988.

أمريكا ومصر والبرهان

أدلف مما تقدم إلى خلاصة ما أراه حول خطورة وجود الفريق البرهان ومسانديه من الإخوان المسلمين في ترتيبات الحل المنتظر لإيقاف هذه الحرب الكارثية الجارية الآن في السودان. فما قام به البرهان في الأسبوع المنصرم من إحالاتٍ لعددٍ من ضباط الجيش إلى المعاش، بدعوى تنظيف الجيش من الإخوان المسلمين، ليس سوى ذرٍّ للرماد في العيون. لقد عاش نظام عمر البشير الإخواني الإرهابي لثلاثة عقود من الزمان على هذا النمط من المراوغات وإعادة طلاء الواجهة. لقد وقف لنظام الإخوان المسلمين هذا، وبشدة، ضد خروج قوات صدام حسين من الكويت. كما جرَّ النفوذ الإيراني إلى السودان بصورة غير مسبوقة، بلغت حدَّ جعل السودان معبرا لإرسال السلاح الإيراني إلى حماس في غزة، وحدَّ استقبال القطع البحرية الإيرانية في ميناء بورتسودان، مهددًا بذلك أمن السعودية ومصر، وكامل منطقة البحر الأحمر. وللمفارقة، انخرطت قوات نظام البشير والإسلاميين، عقب سيطرة الحوثيين على اليمن، فيما سميت “معركة الحزم”، إلى جانب كلٍّ من السعودية والإمارات وقطر، لقتال الحوثيين، الذين هم مخلب القط الإيراني في اليمن. وعمومًا ظل نظام الإخوان المسلمين في السودان يتقلب بين طلب الدعم الإيراني، والصيني، والخليجي، والروسي، والأمريكي، لأكثر من ثلاث عقود. وقد استطاع أن يعيش بهذه المناورات طيلة هذه المدة، ليصل بالبلاد، في

نهاية المطاف، إلى هذه الحرب المدمرة.

لقد أكَّد المسؤولون الأمريكيون على استخدام عبد الفتاح البرهان للسلاح الكيميائي، في عديد الأماكن في السودان، في هذه الحرب الجارية الآن. وفيما أرى، فإن الرؤية الاستراتيجية الحصيفة تقتضي ألا يُكافأ هؤلاء على إجرامهم، بأن يكونوا طرفًا في أي معادلةٍ قادمةٍ للحكم في السودان، تحت أي ذريعةٍ كانت. فالسلام الهش المؤقت الذي يستعجله الفاعلون، لن يكون سوى وصفةٍ لحرب أخرى أكثر تدميرا. ولو حدث تمثيلٌ للإخوان المسلمين والفريق البرهان وقادة جيشه، في السلطة القادمة، وهم في الأصل كيان واحد، فإنه يصبح تشجيعًا للإرهابيين، بكل فصائلهم، لمواصلة نهجهم المُجرَّب هذا في ابتزاز القوى الدولية، وإجبارها على الخضوع لإرادتهم. ويجب الانتباه إلى أن هذه الصيغة للحل هي ما تريده مصر، التي لوَّح لها البرهان والإخوان المسلمين بأنهم سيكونون ذراعها في السودان. إن واجب القوى السياسية السودانية المباشر لهو التكتل ضد عودة الإخوان المسلمين وجيشهم إلى السلطة. وواجب أمريكا والاتحاد الأوروبي والاتحاد الأفريقي توحيد القوى السياسية السودانية التي تقف مع تحقيق أهداف ثورة ديسمبر 2018، ودعم جهودها لقفل الباب أمام عودة الإخوان المسلمين وجيشهم إلى السلطة مرة أخرى.

[email protected]

المصدر: صحيفة الراكوبة

شاركها.