قضية العلمانية والتصويب خارج المرمى السودانية , اخبار السودان

جمال عبد الرحيم صالح
بداية ينبغي التوضيح بأن الكاتب من دعاة فصل الدين عن الدولة، بلا مواربة، وقد قدم للمكتبة السودانية بحثاً عن هذه المسألة بعنوان “الدين والدولة مشروع رؤية لفض الاشتباك” من إصدار دار المصورات عام 2022.
لدى الكاتب قناعة بأنه إذا كانت الدعوة للعلمانية تعني أن تكون الدولة على مسافة واحدة من جميع مواطنيها، غض النظر عن أديانهم وثقافاتهم وأعراقهم، فإن معظم دساتير السودان، من دستور 1956 وحتى دستور الإسلاميين عام 2005، اشتملت على تلك المبادئ، بل إن دستور 2005 مضى أبعد عن ذلك في تأكيد تلك المبادئ (راجع دستور 2005).
إذن هنالك خلل ما يجب تصحيحه؛ إذ ليس هناك أكثر دلالة على عمق هذا الخلل، من أن معظم الاتفاقيات والمواثيق التي تداولتها أيدي الساسة السودانيين بمختلف مشاربهم، ابتداءً من البيان الختامي لمؤتمر أسمرا للقضايا المصيرية، تضمنت تلك المبادئ “العلمانية”. بيد أن معظم القوى الرئيسية الموقعة على تلك المواثيق (خاصة الحزبين الكبيرين) ربطت ذلك لاحقاً بما أطلق عليه “المؤتمر الدستوري”!
وهنا لا بد لنا أن نسأل أنفسنا سؤالاً مباشراً وواضحاً: إذا كانت تلك القوى السياسية متفقة على مبادئ العلمانية الأساسية، وهي أن تقف الدولة على مسافة واحدة من جميع الأديان، وأن السلطة للشعب يمارسها عبر إنتخابات حرة ونزيهة؛ لماذا، إذن، ظهر مفهوم “المؤتمر الدستوري” في حياتنا السياسية منذ عهد بعيد خاصة وأن دستور 2005، المعترف به من القوة الأساسية المناهِضة لشعار “العلمانية”، وأعني إسلاميي المؤتمر الوطني، يشمل ذات المبادئ المعلنة في البيان الختامي لمؤتمر أسمرا للقضايا المصيرية؟! لماذا الإصرار ذلك المؤتمر لمعالجة مسألة متفق حولها؟
الرأي عندي، أن إحالة الأمر للمؤتمر المنشود، إنما ناتج من الخوف “البنيوي” لدى الحزبين الكبيرين، من الابتزاز الشديد الذي سيتعرضا له من إسلامويي المؤتمر الوطني، في حالة رفعهم لشعارات مثل العلمانية أو فصل الدين عن الدولة، وتأثير ذلك على جماهيرها التي استقطبتها أساساً على محمولات دينية.
لو رجعنا للماضي بعض الشيء، في محاولة لتفسير ذلك الارتباك، سنجد أن الدافع الرئيسي لنشوء الحركة الشعبية لم يكن موقفاً من دستور 1973 العلماني، وإنما كان بسبب ما يسمى بقوانين سبتمبر التي صدرت تحت مظلته! وما إصرار حركتي الحلو وعبد الواحد على علمانية الدستور إلا رفضاً منهم لتلك القوانين، التي يقوم مقامها حالياً القانون الجنائي لسنة 1991، وبالذات ما يسمى بالعقوبات الحدية. نفهم من ذلك، أن القضية الأساسية التي ينبغي مناقشتها أو التحاور حولها، هو موضوع علاقة الدين بالقوانين وبالذات القانون الجنائي، وليس وقوف الدولة على مسافة واحدة، ذلك المبدأ الذي لا يوجد اختلاف أصلاً حوله، بمن في ذلك إسلامويي المؤتمر الوطني!
هل يعني الاتفاق على علمانية الدولة إبعاد الدين عن مصادر التشريع؟ بالتأكيد لا! هناك قوانين مرتبطة بمعتقدات الناس، سواء مسلمين، أو مسيحيين، أو من معتقدي كريم المعتقدات؛ وهي قوانين الأحوال الشخصية. صحيح أن بعضها يحتاج لتطوير ليتماهى مع قيم وأنماط حياة مستجدة، بيد أن ذلك لا يلغي ارتباطها بالمعتقد سواء تحدثنا عن المسلمين أو المسيحيين أو المعتقدين في ديانات أو ثقافات أخرى، وما أكثرهم. هذه نقطة هامة للغاية، وينبغي وضعها في دائرة الانتباه ونحن نتجادل حول ماذا تعني علمانية الدستور.
للخروج من ذلك الجدل الدائري حول مسألة العلمانية، أرى أن على خطابنا السياسي والفكري والإعلامي، الاتجاه نحو معالجة تلك الجزئية، أي علاقة الدين بالقانون، وليس علاقة الدين بالدولة. من وجهة نظري أنه إذا تم التصويب على ذلك الهدف سنختصر الكثير من الجدل، علماً بأن الإسلاميين، وحتى هذا الجانب، أي القانون الجنائي، لا يملكون أي حجة على الآخرين يبتزونهم من خلالها! فهناك شواهد، لا تقبل الجدل، بأن الإسلامويين أنفسهم نفضوا أيديهم عن ذلك القانون نظرياً وعملياً وتجاوزوا في ذلك ثوابت استقرت منذ أكثر من ألف عام، من أمثلة ذلك التجاوز الجرئ، من صلب القانون الجنائي السوداني الحالي والمتضمن للعقوبات الحدية:
* لا يميز القانون بين المسلم وغيره في الشهادة.
* لا يوجد تمييز في الدية بين المرأة والرجل، أو بين المسلم وغير المسلم.
* أضاف القانون الجنائي شرطاً لتطبيق حد السرقة جعل من المستحيل تطبيق ذلك الحد.
* جعل تحديد قيمة الدية، في القتل الخطأ مثلاً، مرتبطاً بتقديرات رئيس القضاء متجاوزاً القاعدة المعروفة وهي عدد مئة من الإبل.
* ما تم تنفيذه من بتر للأعضاء (فيما يخص الحدود والقصاص) لم يتجاوز العشرة حالات، حسب المعلومات المتوفرة للكاتب، في خلال الخمسة والثلاثون عاما.ً
* تحايلت حكومة الإنقاذ على مادة “حد الردة” بوسائل مختلفة في إتجاه عدم تطبيقها، والذي يعني ضمناً عدم قناعتها به (أمثلة: قضيتي السيدة أبرار والسيد البارون).
بالنظر لكل تلك الحقائق، نرى أن تجاوز العقبات فيما يخص مسألة العلمانية، أو فصل الدين عن الدولة، أمر قابل للتحقق بدون دفع أثمان باهظة، وكل المطلوب، في نظر الكاتب، أن يتم الخروج من ذلك الجدال الدائري، ومخاطبة القضية الحقيقية التي هي مسألة علاقة الدين بالقانون.
المصدر: صحيفة التغيير