عندما يقطر هاتفك دما؟! السودانية , اخبار السودان

فيما كنت أغالب نفسي لإستكمال مطالعة مقطع يوثق لحظة ذبح شيخ كبير في قرية نائية، إصطبغ جلبابه الأبيض الناصع بدمه النافر من جسده، تحت حد سكين جري علي عنقه، كان قد إرتمي علي نافورة رقبته المتفجرة، وجانبا من صدره ثوب نسائي مشجر، وهو يرفع الشهادة لربه في اخر ثواني حياته، توهمت في تلك اللحظة أن دمه قد بات يقطر هو أيضا من هاتفي، لدرجة أني قد تحسسته علي يدي.
أعادني هذا الحال الغريب، الي السؤال الذي أطلقه الشاعر محمود درويش ذات حيرة كهذه، قائلا :
“هل في وسعك أن تكون طبيعيا في واقع غير طبيعي؟”.
المهم فإني لن أقول لهؤلاء الجنود المجانين الذين يوثقون ويبثون مثل هذه المقاطع، أرجوكم لا تسلطوا كاميرات هواتفكم علي عوراتنا يوميا بهذه الطريقة الفجة الفاجرة.
لكني أقول لكم: دعوا هواتفكم تنام غريرة الشاشات، ريثما يرتوي هذا الوحش الذي ينمو الآن بشكل مضطرد، داخل كل منا من دمنا.
دمنا هذا الذي أضحي هو اليوم أرخص دم في البورصة.
تصوروا مثلي، ان هواتفكم هذه يمكن أن تقطر دما، ينسال بين أصابعكم ليلطخ أيديكم بعيدا عن الواقع.
فالحل في ظني هو ألا نكثر، من التهام مثل هذه الصور الإباحية التي تعمل في النهاية لأن تبيح، وتطبع، وتشيع فاحشة نوع هذا القتل البشع بيننا.
علي الأقل لكي لا نقتل ما تبقي فينا من مروة ونخوة بايدينا أو بأيدي سوانا.
وبالتالي فإنه ينبغي ألا نلوث ادمغتنا وذواكر هواتفنا بمزيد من أصوات الأنين، وبصور من شأنها أن تنزع عنا إنسانيتنا رويدا رويدا، كلما تطبع لدينا بمرور الوقت مثل هذا القتل فاضحي أمره عاديا، مع تطاول أمد هذه الحرب التي لا نعرف لها نهاية.
لكن للحقيقة فإن من يقطع “بلاعيم” البشر بهذه الشكل، قد بات هو يفسد علينا متعتنا وزهونا بالحياة، وفق تصوراتنا الكذوبة التي كانت ساذجة جدا، عن معني أن تكون إنسانا، أو أن تكون سودانيا علي الأقل.
بما يوجب أن نضع اليوم صورا كثيرة كنا نعلقها علي حائط الذاكرة لخداع ذواتنا، أو لأغراض التباهي.
وبالطبع فما أكثر الفقاقيع التي صنعناها بايدينا، ثم صدقنا أنها حقائق.
لقد برع السودانيون الي حد بعيد، في صناعة مثل هذه الفقاقيع الكبيرة.
فقد صدرنا لذواتنا وسوقنا للناس أوهاما ضخمة عنا، صدقناها في النهاية نحن أنفسنا بكل أسف، والي أن حدث هنا ما حدث.
المصدر: صحيفة التغيير