
يعيش السودان على وقع كارثة جديدة في موسم الخريف الحالي تضيف إلى معاناته المستمرة بفعل الحرب المستمرة منذ أكثر من عامين، حيث اجتاحت السيول والأمطار الغزيرة عدداً من الولايات، محولة القرى والمدن إلى مساحات منكوبة غارقة في الوحل والدمار.
الخرطوم ـــ التغيير
وفي ولايات نهر النيل والجزيرة والقضارف ووسط دارفور، انهارت آلاف البيوت لا سيما المبنية من الطين، حيث دُمّرت السيول أكثر من ثمانمئة منزل بالكامل وتضرر حوالي أربعة آلاف منزل آخر جزئياً، ما أجبر مئات الأسر على النزوح مرة ثانية بعد أن كانوا قد نزحوا سابقاً بسبب الحرب.
السيول لم تقتصر على تدمير المنازل فحسب، بل جرفت الطرق وأغلقت مداخل القرى، ما عزل السكان عن المراكز الحضرية وجعل الوصول إلى المساعدات الإنسانية شبه مستحيل.
وأدى ارتفاع المياه المفاجئ إلى سقوط عشرات الضحايا، بينهم عشرة على الأقل في مدن نهر النيل مثل الدامر وشندي وعطبرة، بينما أصيب آخرون بجروح متفاوتة ونُقل بعضهم إلى مستشفيات تفتقر إلى الإمكانات الطبية الأساسية.
وتأثرت إحدى وعشرون منطقة بالفيضانات منذ بداية اغسطس، وسُجل تضرر أكثر من مئة وثلاثين أسرة خلال الأيام الأولى فقط من ذات الشهر.
كما خلّفت السيول بركاً واسعة من المياه الراكدة التي تحوّلت إلى بؤر لتفشي الأمراض المنقولة بالمياه، لا سيما الكوليرا، التي تواصل انتهاك حياة السودانيين.
الكوليرا
وحتى نهاية أغسطس، وثّقت الأمم المتحدة واليونيسف أكثر من 382 ألف إصابة بالكوليرا في السودان، حيث توفي خلالها أكثر من 4,400 شخص، وهو ما يعكس هشاشة النظام الصحي الذي يكافح لتقديم الحد الأدنى من الرعاية.
في العاصمة الخرطوم، عاد نحو نصف مليون نازح خلال يوليو الماضي، معظمهم إلى أحياء مدمرة جزئياً أو خالية من الخدمات الأساسية، لتصبح المدينة عاجزة عن استيعاب الوافدين الجدد.
هذا الضغط على البنية التحتية جعل السيول الأخيرة أكثر تدميراً، حيث غمرت المياه شوارع رئيسية وأحياء كاملة، وفاقمت أزمة الكهرباء والمياه.
كما تأثرت الزراعة، المصدر الأساسي للرزق لملايين السودانيين، بشكل كبير جراء السيول، خصوصاً في ولايات الجزيرة والقضارف، ما يهدد موسم الحصاد المقبل ويضع الأمن الغذائي للبلاد على المحك.
ومع تزايد النزوح وتدهور الأوضاع المعيشية، فإن أي تراجع في الإنتاج الزراعي قد يؤدي إلى تفاقم أزمة الجوع.
السيول في السودان لم تعد حدثاً موسميّاً عابراً، بل أصبحت رمزاً للفقد والدمار، تكشف عن غياب خطط وطنية لمواجهة الكوارث وعن ضعف الاستجابة الرسمية.
وتعتمد معظم جهود الإغاثة والإنقاذ على المتطوعين والمنظمات الخيرية، بينما تعجز المؤسسات الحكومية عن مواكبة اتساع رقعة الكارثة.
وفي ظل هذه الظروف، يجد السودانيون أنفسهم محاصرين بين مياه تجرف منازلهم وحرب تنهك حياتهم اليومية، ما يجعل البلاد على حافة كارثة إنسانية شاملة.
المصدر: صحيفة التغيير