محمد سنهوري الفكي الامين
ان السودان بفردوسه (النيل) وإنسانه النبيل وأرضه الخصبة البكر الحبلي بالخيرات والكنوز قادر علي تجاوز الأزمة وإيقاف صوت البندقية وبناء دولة قوية تمتلك كل مقومات النهوض إذا تواضع شعبه وسياسيه وعسكره علي ذلك .
ان الدول الاوربية إبان الحرب العالمية الثالثة ( 19391945) وصل حجم الخسائر فيها الي زهاء 4.6 ترليون دولار جاءت المانيا في المرتبة الاولي من حيث الخسائر المادية مما نتج عنه انهيار اقتصادي غير مسبوق ، فتبنت المانيا خطة مارشال التي طرحها وزير الخارجية الأمريكي جورج مارشال 1947 لإعادة اعمار دول أوروبا ونتج عن ذلك إسقاط نصف ديون المانيا وحازت علي دعومات وإعانات من عدد من الدول .
كما اتخذت المانيا التقشف الاقتصادي منهجا وحددت حصة غذائية لكل فرد لا تزيد علي 1500 سعرة حرارية في اليوم وقامت بضبط الاسعار والخدمات ، واطلقت الجماح لمفكريها الاقتصادين لتنفيذ خططهم مثل والتر أوكن ولودفينغ ايرهارت فوضعوا خطة استثمارية قوية أسهمت في نمو الدولة واحتلت المانيا في العام 1989 المرتبة الثالثة في اقوي اقتصادات العالم بعد اليابان وأمريكا ، إذ تعد المانيا الاقوي أوربياً باقتصاد بلغت قيمته 4.46 ترليون دولار حسب إحصاءات البنك الدولي في العام 2024 م .بينما اليابان التي منيت بالخسارة في الحرب العلمية الثانية اتخذت حزمة من الاجراءات الاقتصادية التي قادت الي تعافي اقتصادها مثل إلغاء بعض القوانين مثل منع الهجرة من الأرياف الي المدن واعادت تنظيم الموارد وانتقلت من الانتاج الزراعي الي التصنيع وركزت علي صناعة السيارات والتكنولوجيا مما قاد الي نهضتها سريعا فانعكس ذلك ايجابا علي دخل الفرد الذي كان يبلغ عام 1945 عام استسلام اليابان 1346 دولارا سنويا وتضاعف الي 200% بحلول العام 1956 ، كما أشار الباحث الياباني (فوميؤ هاشي) في دراسة بجامعة هارفرد ان السبب وراء النمو المتسارع لليابان لم يتعلق فقط بتنظيم الموارد وإنما باستيعاب التكنولوجيا الغربية وتطويعها في مختلف الصناعات وهو ما احدث الطفرة الصناعية في اليابان ، كما أسهمت العلاقات الخارجية الجيدة مع العالم في توسيع حجم التجارة والاستثمار حتي احتلت طوكيو المرتبة الثانية عالمياً في حجم الاقتصاد تسعينيات القرن الماضي ، ثم تراجعت الي المرتبة الرابعة فيما بعد باقتصاد تبلغ قيمته 4.2 ترليون دولار .
والجدير بالذكر ان كوريا الجنوبية انتهجت الأبحاث العلمية كأسلوب يقود الي النهضة فإستثمرت في التعليم ومجالات الاختراعات والابتكار والتكنولوجيا من اجل جذب رأس المال الأجنبي مما دفع كوريا الي المركز الرابع في مؤشر سهولة ممارسة الأعمال عام 2018 م.
ومن الأمثلة البارزة النموذج السنغافوري حيث اعتمدت سنغافورا علي التعليم في النهضة بعد الاستقلال عام 1965 ، وكذلك ماليزيا والبرازيل استطاعتا من خلال إعادة توزيع الثروات من قيادة نهضة اقتصادية يشار لها بالبنان .
بروز التنين الصيني كقوي اقتصادية عظمي :
بعد ان أسس السيد/ ماو تونغ الحزب الشيوعي الصيني عام 1921م كانت المبادئ الاشتراكية الشيوعية هي سيدة الموقف حتي تم تأسيس جمهورية الصين الشعبية عام 1949 وبات الحزب الشيوعي الصيني حاكما اوحدا للصين وحتي يوم الناس هذا ، بخلاف الأنظمة في العالم الغربي .
كانت الصين تعتمد علي الزراعة في اقتصادها وتحولت الي الصناعة بعد ان استثمر الاتحاد السوفيتي في بعض الصناعات الثقيلة في الصين وذلك الأغراض الحرب الباردة بينه وبين امريكا ، خلال فترة الخمسينيات والستينيات استحوذت الصين علي عدد من الصناعات الثقيلة الأساسية ، ثم تحولت في نهاية السبعينيات من الشيوعية الاشتراكية ذات الاقتصاد الموجه الي الحر في تحول سلسا وسهل قاد الي الانفتاح الاقتصادي عبر سلسلة من الاجراءات الاقتصادية المتتالية والمتدرجة وذلك قاد الي ثورة كبري في الاقتصاد الصيني جعلها في عام 2010م الدولة الأكثر تصديراً في العالم ، فتحولت الي عملاق اقتصادي عالمي جديد في زمن قياسي مما أهلها من لعب ادوار اقتصادية وسياسية مؤثرة لاحقا ، وفي التسعينيات وصلت معدلات النمو الاقتصادي الي 7و8% واقتربت من ال10 ٪ مما دفع بأكثر من 500 مليون صيني للخروج من دائرة الفقر الي حياة الرفاه ، وقفز الاحتياطي النقدي الصيني من 11,9 مليار دولار في عام 1985م الي أكثر من 3.5 ترليون دولار في عام 2016م وقدر الناتج المحلي الإجمالي للصين بحوالي 11 ترليون دولار ، كما صحب ذلك طفرة ضخمة في جهازها المصرفي وقطاع المواصلات والبنيات التحتية وتوسعت في الانتاج الزراعي والصناعي وتحولت في فترة وجيزة لا تتجاوز ال 40 عام الي ثاني اكبر اقتصاد في العالم .
نستلهم من هذه التجارب ان المنح تأتي من بين طيات المحن ، والنجاح يخرج من رحم المعناة ، وبإرادة الأمم والشعوب ينكسر المستحيل ، إذا توفرت الإرادة لإيقاف الدمار وبداية الإعمار وما النموذج الرواندي منا ببعيد .
ان ما تسني للسودان من تنوع بديع ومن موقع جغرافي يربط أفريقيا بالبحر الأحمر و موارد طبيعية وامكانيات مهولة في باطن الارض وظاهرها ، كفيلة بتسريع نهضته من جديد إذا توفرت الإرادة لوقف الحرب وصناعة استقرار سياسي ووضع آليات لجذب رؤوس الأموال وخلق مؤسسات مالية قوية وإعادة الثقة في الجهاز المصرفي ، ورتق النسيج الاجتماعي ، ولا يتأتي ذلك إلا بالكفاءة في القيادة والنزاهة اليد والانفتاح في الفكر.
المصدر: صحيفة الراكوبة