حول مستقبل العلاقات السودانية المصرية : دعوة للحوار الجاد

حسن عبد الرضي الشيخ
إن تبادل وجهات النظر حول مستقبل العلاقات السودانية المصرية ليس مجرد تمرين فكري، بل هو ضرورة استراتيجية تفرضها المصالح المشتركة بين البلدين. وقد جاء مقالي السابق “مصر والسودان : نهر من التاريخ وفكر يجدد التكامل” كمحاولة لتسليط الضوء على الجوانب التاريخية والاقتصادية التي تربط البلدين، مع التأكيد على ضرورة تجاوز التحديات والعوائق التي أعاقت مسيرة التكامل الحقيقي بينهما.
الحوار كأداة لفهم أعمق
التفاعل مع الأفكار المطروحة في المقال السابق يعكس أهمية الحوار بين النخب السياسية والمجتمعية في البلدين. ومن بين الردود التي تلقيتها كان هناك مقال نقدي موضوعي تناول بعض النقاط من منظور مختلف، مما يُظهر الحاجة إلى تعميق النقاش حول كيفية تحرير هذه العلاقة من قيود الماضي وجعلها أكثر توافقًا مع تطلعات المستقبل. إن هذا النقد لم يكن لمجرد المعارضة، بل كان تحفيزًا لإعادة النظر في بعض المسلمات التي قد تعيق مسار التقارب الحقيقي.
التكامل الاقتصادي : مصلحة حتمية أم وهم سياسي؟
لقد أكدتُ في مقالي أن التكامل الاقتصادي بين السودان ومصر ضرورة حتمية تمليها الروابط الجغرافية والمصالح المشتركة. ومع ذلك، فإن أحد الانتقادات التي وُجّهت لهذه الرؤية هو أن هذا التكامل لا يزال يخضع لنمط غير متكافئ يجعل السودان في موقع المستفيد الأقل، مما يعزز الشكوك حول جدوى هذه العلاقة اقتصاديًا.
إن الاقتصاد الحديث يقوم على المصالح لا على الهيمنة، وبالتالي فإن أي تكامل اقتصادي بين البلدين يجب أن يرتكز على شراكات عادلة تحترم حقوق السودان في موارده الطبيعية، وتتيح له الاستفادة القصوى منها بما يخدم تنميته واستقراره. وهنا يُطرح السؤال: كيف يمكن تحقيق هذا التكامل دون أن يكون مجرد امتدادٍ لأنماط تاريخية من الاستغلال الاقتصادي؟
تحديات العلاقات السياسية والتاريخية
من أكبر التحديات التي تواجه العلاقات السودانية المصرية هي الإرث التاريخي الذي ترك آثارًا عميقة على الوعي الشعبي في كلا البلدين. ولا يمكن إنكار أن فترات الحكم المشترك بين مصر والسودان في ظل الاستعمار البريطاني خلقت ديناميكيات غير متوازنة أدت إلى نظرات متفاوتة حول مفهوم السيادة والاستقلال.
وقد أشار المقال النقدي إلى أن تناول هذه القضايا في إطارٍ تحليليٍّ فقط دون تقديم حلول عملية قد يُبقي الحوار في دائرة مغلقة. إن تجاوز هذه التحديات يتطلب مصارحة تاريخية تعترف بالأخطاء السابقة، سواء تلك المتعلقة بالنظرة الدونية إلى السودان أو الخلافات المستمرة حول قضايا مثل حلايب وشلاتين. وبدلاً من التهرب من هذه القضايا، لا بد من مواجهتها بشجاعة والبحث عن حلول دائمة تضمن حقوق الطرفين.
نحو علاقة جديدة قائمة على الاعتراف المتبادل
لكي نصل إلى مرحلة جديدة من التكامل والتعاون الحقيقي، يجب أن تقوم العلاقة بين البلدين على أسس واضحة تشمل :
١. إعادة تعريف الشراكة التاريخية بعيدًا عن مفاهيم الهيمنة والتبعية، والتركيز على بناء علاقة تكاملية متكافئة.
٢. تعزيز التعاون الاقتصادي العادل الذي يراعي مصالح السودان الاقتصادية، ويضمن استفادته الحقيقية من موارده.
٣. احترام السيادة السودانية من خلال وقف أي تدخلات غير مبررة في الشؤون الداخلية، والاعتراف الكامل بحقوق السودان في أراضيه.
٤. دور الشعوب في دعم التكامل عبر تعزيز التبادل الثقافي والتعليمي والإعلامي، بما يساهم في تغيير الصور النمطية السلبية وتعزيز الفهم المشترك.
نحو حوار مفتوح ومسؤول
إن النقد الذي وُجّه لمقالي السابق كان في جوهره دعوة لحوار أكثر عمقًا، لا يكتفي بترديد الشعارات أو استرجاع التاريخ، بل يسعى إلى تفكيك الإشكاليات الراهنة وإعادة بناء العلاقة على أسس سليمة. وإذا كان هناك درس يجب أن نتعلمه من تاريخ العلاقات السودانية المصرية، فهو أن المصالح المشتركة لا تتحقق بالتمني، بل تتطلب إرادة سياسية صادقة، ومصارحة شفافة، وشراكة تقوم على الندية والاحترام.
لا يمكن الحديث عن مستقبل مزدهر للعلاقات السودانية المصرية دون الاعتراف بأن المصالح المشتركة يجب أن تُبنى على أسس عادلة ومتوازنة. فإذا أردنا أن نحقق التكامل الحقيقي، فإن أولى الخطوات تبدأ بالعقلية قبل السياسة، وبالحوار قبل الاتفاقيات، وبالندية قبل الشراكة.
[email protected]
المصدر: صحيفة الراكوبة