ملخص تنفيذي
شوقي عبدالعظيم هو صحفي سوداني مخضرم، وباحث، وكاتب، ومحلل سياسي، يتميز بمسيرة مهنية متجذرة في الصحافة الورقية قبل أن ينتقل إلى العمل التلفزيوني والإلكتروني. يتجاوز دوره كصحفي تقليدي ليصبح صوتاً مؤثراً في الشأن السوداني، مستخدماً خلفيته في الصحافة الاستقصائية والسياسية لتحليل جذور الأزمات في بلاده. يشتهر عبدالعظيم بمقالاته وتحليلاته التي لا تكتفي بوصف الأحداث، بل تتعمق في سياقاتها التاريخية والسياسية المعقدة، مع التركيز بشكل خاص على قضايا الفساد، وتاريخ الميليشيات، والأبعاد الخفية للصراع الحالي. يعتبر عبدالعظيم من أبرز الدعاة لتشكيل جبهة مدنية موحدة كبديل لخطاب الحرب، مؤكداً أن الحل الحقيقي للأزمة السودانية لا يمكن أن يكون عسكرياً، بل يجب أن ينبع من إرادة الشعب ومصالحه الأساسية.
1. مسار صحفي: من مراسل عام إلى محقق متخصص
تُظهر مسيرة شوقي عبدالعظيم المهنية مساراً واضحاً من التطور والتخصص، حيث انتقل من العمل كصحفي شامل متعدد المهام إلى محقق استقصائي متخصص ومحلل سياسي بارز. إن هذا المسار لا يعكس فقط تطوره الشخصي، بل يمثل أيضاً انعكاساً لمسيرة الصحافة السودانية نفسها، وتطورها من عمل يغطي كافة الجوانب إلى تخصص دقيق يواجه تحديات معقدة.
- 1.1. الأساس الأكاديمي والمهني المبكر في الصحافة المطبوعة
تخرج شوقي عبدالعظيم من جامعة الخرطوم حيث درس الإعلام، وهي بداية أكاديمية راسخة مهدت الطريق لمسيرته الصحفية. بدأ عمله في الصحافة الورقية لفترة طويلة، وكانت تجربته في صحيفة “الأخبار” بمثابة محطة أساسية في حياته المهنية. في تلك الفترة، كان يعمل ضمن “نظام الصحفي الشامل”، مما يعني أنه تدرب في جميع أقسام الصحيفة، واكتسب خبرة واسعة في التحرير والكتابة والتحقيق. هذه التجربة المتكاملة جعلته ملماً بمختلف جوانب العمل الصحفي، وهي مهارة ساعدته لاحقاً في التخصص. لم يكن هذا المسار مجرد سلسلة من الصدف، بل كان مسيرة مهنية متعمدة ومنظمة، انتقل فيها من العمل العام إلى التخصص في مجالات محددة.
بعد ذلك، انتقل للعمل في عدد من الصحف السودانية، حيث شغل منصب رئيس قسم سياسي، ثم رئيس قسم التحقيقات. كما قام بتأسيس مكتب للصحيفة في مدينة جوبا بجنوب السودان، وهي خطوة تعكس قدرته على تأسيس المشاريع الصحفية وإدارتها في مناطق صعبة. كانت هذه الخبرات المتدرجة بمثابة جسر عبور إلى المرحلة الأهم في مسيرته، وهي التخصص في الصحافة الاستقصائية.
- 1.2. رائد في الصحافة الاستقصائية: السعي وراء الحقيقة ومخاطره
يُعرف عبدالعظيم بتركيزه على الصحافة الاستقصائية، وهي ممارسة صحفية تتطلب جهداً كبيراً ومخاطرة عالية. وقد عزز هذا التخصص بحصوله على دبلوم في الصحافة الاستقصائية من معهد مرموق في باريس. يشير هذا الإنجاز الأكاديمي إلى أن خبرته لم تكن مجرد ممارسة عملية، بل كانت مدعومة بأسس نظرية ومنهجية دولية، مما أضفى مصداقية إضافية على عمله.
كانت طبيعة عمله الاستقصائي محفوفة بالمخاطر، حيث كان يركز على كشف قضايا الفساد، وهو ما وضعه في مواجهة مباشرة مع السلطة. ومن أبرز الأمثلة على ذلك، التحقيق الذي أجراه حول فساد وزير الصحة السابق مأمون حميدة. نتيجة لهذا التحقيق، تم استدعاؤه والتحقيق معه من قبل جهاز الأمن والمخابرات الوطني لمدة ثماني ساعات. هذا الحدث ليس مجرد حادثة عابرة، بل هو مثال واضح على العلاقة المتوترة بين الصحافة الحرة والسلطة في السودان.
يعكس هذا الحادث أن الصحفيين في بيئة مثل السودان ليسوا مجرد مراقبين سلبيين، بل هم فاعلون أساسيون يمكن أن يواجهوا عواقب شخصية ومباشرة لتحديهم المصالح القوية والراسخة. إن مسيرة شوقي عبدالعظيم تمثل حالة دراسية لفهم الصراع من أجل حرية الصحافة في بلد يعاني من قمع الأنظمة، وهو ما يفسر لاحقاً موقفه القوي الداعم للحريات المدنية.
- 1.3. صوت على الشاشة: الانتقال إلى الصحافة التلفزيونية
بعد مسيرة طويلة في الصحافة الورقية، انتقل عبدالعظيم إلى العمل في قناة “سودانية 24″، حيث كان يُعِد برنامجاً للتحقيقات التلفزيونية، ويشارك في برامج أخرى تتعلق بالصحافة. هذا الانتقال يؤكد قدرته على التكيف مع مختلف الوسائط الإعلامية واستغلالها لنشر عمله الاستقصائي. كما أن ظهوره على شاشة التلفزيون وسّع قاعدة جمهوره، مما جعله شخصية معروفة ومؤثرة في الساحة الإعلامية السودانية.
2. قلم للجمهور: الموضوعات الأساسية والأدوار التحريرية
تتميز كتابات شوقي عبدالعظيم بتسليط الضوء على مواضيع محددة ومترابطة، مما يدل على أن عمله لا يمثل مجرد رد فعل على الأحداث الجارية، بل هو جزء من مشروع فكري طويل الأمد يهدف إلى فهم الواقع السوداني المعقد وتفكيكه.
- 2.1. دور الرقيب: النضال المستمر ضد الفساد
يركز شوقي عبدالعظيم بشكل ثابت على قضايا الفساد في كتاباته، وقد أشار مقال في موقع “صوت الهامش” إلى أن طبيعة مقالاته في الموقع تتمحور حول هذه القضايا. هذا الاهتمام ليس مجرد عمل صحفي فردي، بل هو جزء من تحليله الأوسع للوضع السياسي في السودان. فهو يربط الفساد الذي شهده النظام السابق خلال حكمه الذي دام 30 عاماً، بانهيار الدولة واستغلال النفوذ لتحقيق مكاسب شخصية.
من خلال ربطه للتحقيقات المحددة حول الفساد (مثل قضية وزير الصحة) بالفساد المؤسسي الأوسع الذي أسسه نظام الإنقاذ، يجادل عبدالعظيم بأن الفساد ليس نتيجة ثانوية للوضع السياسي، بل هو أحد الأسباب الجذرية للأزمة الحالية. إنه يرى أن الفساد هو أحد الأدوات الرئيسية التي استخدمها النظام السابق للسيطرة على البلاد وتدمير مؤسساتها، وأن الحرب الحالية هي حصاد طبيعي لهذه السنوات الطويلة من الانحلال المؤسسي.
- 2.2. المحلل السياسي: صياغة السردية لجمهور إقليمي
يعمل شوقي عبدالعظيم كباحث وكاتب في مجلة “المجلة” المرموقة التي تصدر باللغة العربية. وهذا الدور يعطيه منصة إقليمية مهمة، حيث تتناول مقالاته الشأن السوداني بعمق، بما في ذلك الحرب الأهلية، والتدخل الدولي، ومفاوضات السلام، وتاريخ الميليشيات.
إن وصوله إلى جمهور “المجلة” يعني أن تحليلاته لم تعد محصورة في النقاش الداخلي السوداني، بل أصبحت جزءاً من خطاب أوسع يتجاوز الحدود الوطنية. هذا يمنحه نفوذاً كبيراً ويضعه في مكانة المفكر الذي يساهم في تشكيل الرأي العام الإقليمي حول الأزمة السودانية، وتقديم منظور مختلف وأكثر عمقاً من ذلك الذي تقدمه القنوات الرسمية أو الموالية للأطراف المتحاربة.
- 2.3. من كرسي رئيس التحرير: منصة “استقصائي”
يُعد منصب شوقي عبدالعظيم الحالي كرئيس تحرير لمنصة “استقصائي” تتويجاً لمسيرته المهنية التي ركزت على هذا النوع من الصحافة. اسم المنصة نفسه، والذي يعني “تحقيقي” باللغة العربية، هو إعلان واضح عن مهمتها والتزامها بالصحافة الجادة والمبنية على البحث.
3. تشريح الأزمة: تحليل شوقي عبدالعظيم الكلي للحرب السودانية
يقدم شوقي عبدالعظيم تحليلاً فريداً للأزمة السودانية، يتجاوز السردية الشائعة التي تختزل الحرب في صراع بين جنرالين، ليربطها بسياقات تاريخية أعمق، ويجعلها جزءاً من استمرارية الصراع على السلطة في السودان منذ عقود.
- 3.1. ما وراء الجنرالين: حرب الحركة الإسلامية
يُشكل هذا التحليل جوهر مساهمته الفكرية. فبدلاً من وصف الصراع بأنه مجرد “حرب الجنرالين”، يصفه عبدالعظيم صراحةً بأنه “حرب الحركة الإسلامية”. ويؤكد أن ما يحدث هو “تمظهر للسياسة في الصراع العسكري” ، ويصفه أيضاً بأنه “حرب التقديرات الخاطئة”. هذه السردية المختلفة تفرض على المراقبين إعادة النظر في الأسباب الحقيقية للحرب.
إن هذا التمييز النقدي يضع عبدالعظيم في مكانة مختلفة عن معظم المحللين. فبينما يركز الكثيرون على الصراع السطحي بين قائدين عسكريين، يغوص هو في الجذور الأيديولوجية والتاريخية للعنف. إن تحليله يرى أن هذه الحرب ليست حدثاً معزولاً، بل هي استمرار منطقي للسيطرة التي فرضتها الحركة الإسلامية منذ انقلاب 1989. هذا الفهم يجعل من الصعب تخيل أن الحل يكمن في مجرد هزيمة عسكرية لأحد الطرفين، حيث إن المشكلة الأساسية هي مشكلة هيكلية وأيديولوجية أعمق بكثير.
- 3.2. إرث الانحلال: ربط الصراع بـ 30 عاماً من حكم نظام الإنقاذ
يؤكد عبدالعظيم أن الحرب هي نتيجة مباشرة للحكم الذي استمر لثلاثين عاماً للحركة الإسلامية. يصف تسلسل سيطرتهم على السلطة بأنه بدأ بـ”الخديعة”، ثم تعزز بـ”العنف والقبضة الأمنية”، قبل أن يكتمل بـ”السيطرة على الاقتصاد” وتفشي الفساد الذي حول المصالح الوطنية إلى “شلوليات” ومصالح خاصة.
هذا التحليل يقدم سلسلة سببية واضحة: من الخداع إلى العنف إلى السيطرة الاقتصادية والفساد، وصولاً إلى الأزمة الحالية. إنه يجادل بأن العقلية العنيفة التي مكنت الحركة الإسلامية من البقاء في السلطة هي ذاتها التي تسببت في هذه الحرب. من هذا المنظور، فإن الصراع الحالي ليس شاذاً، بل هو حصاد طبيعي لعقود من الحكم المدمر. كما أنه يربط “تدويل” قضية السودان حالياً بالعلاقات الخارجية التي نسجها نظام الإنقاذ خلال ثلاثة عقود (مثل علاقاته مع الصين في مجال النفط ثم تحوله إلى الخليج)، مؤكداً أن هذه العلاقات لن تتوقف مع بدء الحرب.
- 3.3. التدويل والتدخل: فحص العوامل الخارجية والدبلوماسية
لا يغفل عبدالعظيم الأبعاد الإقليمية والدولية للصراع. فهو يعلق على تدويل القضية، مشيراً إلى أن العلاقات الخارجية التي بنتها الأنظمة السابقة لا تزال تلعب دوراً في المشهد الحالي. كما يحلل الجهود الدبلوماسية ببراعة. ويعرب عن تشككه في فعالية الوساطات الداخلية، مثل جهود حزب الأمة، مؤكداً أنها لا تخاطب “الأزمة بصورة مباشرة” ولن تحقق “نجاحاً كبيراً”.
إن هذا التقييم يعكس نظرة واقعية للوضع السياسي. فعبدالعظيم يرى أن الانقسامات العميقة وانعدام الثقة بين الفصائل السياسية السودانية تجعل من الصعب التوصل إلى حل محلي دون وجود ضغط أو تدخل خارجي. ولذلك، يرى أن الوساطات الخارجية، مثل تلك التي تقوم بها الرباعية، قد تكون “أكثر فاعلية” في هذا الوضع.
4. المسار المدني: المناصرة لحل الشعب
يُعد شوقي عبدالعظيم من أبرز الدعاة لدور المجتمع المدني في إنهاء الحرب، ويرى أن الخروج من الأزمة لا يمكن أن يتم إلا عبر إرادة الشعب ومصالحه الأساسية.
- 4.1. صوت “صمود”: ضرورة جبهة مدنية موحدة
يدعو عبدالعظيم باستمرار إلى تشكيل “صوت واعٍ وعاجل” يمثل المجتمع المدني بجميع أطيافه، من الشباب والنساء إلى النقابات المهنية والقوى السياسية، مؤكداً أن هذه الفئات هي الوحيدة التي تمتلك مصلحة حقيقية في وقف الحرب. ويعرّف نفسه بأنه جزء من حركة “صمود” المدنية، التي ترفض منطق الحرب وتؤمن بأن البندقية لن تحقق الاستقرار أو السلام أو المجد.
يوجه عبدالعظيم تحذيراً واضحاً من فكرة أن “البندقية” يمكن أن تحقق أي نوع من المجد أو الاستقرار. ويرى أن هذا الفكر هو نفسه الذي أدى إلى الحرب في المقام الأول. إنه يصف البندقية بأنها مجرد “آلة دمار وموت” وأن من يحملها هو من “سيتحكم فيك”. هذا التحذير يؤكد أن الصراع ليس مجرد صراع على السلطة، بل هو صراع أيديولوجي حول مستقبل الأمة.
- 4.2. النضال من أجل حرية الصحافة: صراع مهني وشخصي
بالإضافة إلى كتاباته وتحليلاته، شارك شوقي عبدالعظيم في جهود نقابة الصحفيين السودانيين لحماية الصحفيين، مشيراً إلى أن النقابة قدمت المساعدة حتى للصحفيين “المناوئين للنقابة”. هذا الموقف يُظهر التزامه الأخلاقي بالمهنة وتجاوزه للخلافات السياسية والفئوية. في بلد يعاني من انقسامات حادة، يمثل هذا الموقف نموذجاً للتضامن المهني الذي يمكن أن يكون أساساً لتوحيد المجتمع المدني.
كما يشير إلى أن نظام الإنقاذ قمع الصحافة وحرياتها لمدة 30 عاماً، وهو ما يجعل من نضاله من أجل حرية التعبير ليس مجرد قضية مهنية، بل هو جزء من صراع أوسع ضد إرث العنف والقمع الذي أدى إلى الوضع الحالي.
5. الأبعاد الأوسع: البعد الثقافي والإنساني
لا يقتصر عمل شوقي عبدالعظيم على التحليل السياسي الجاف، بل يتجاوزه إلى بعد ثقافي وإنساني يضفي عمقاً على شخصيته ويجعل دعواته للسلام أكثر أصالة.
- 5.1. حكايات شخصية ورمزية
يروي شوقي عبدالعظيم في إحدى مقابلاته حكاية شخصية حول دخوله إلى “القيادة العامة” للقوات المسلحة وهو يرتدي “الجلابية” السودانية التقليدية. هذه القصة، على بساطتها، تحمل رمزية قوية. فالجلابية تمثل الهوية السودانية التقليدية والمدنية، بينما تمثل القيادة العامة قوة الدولة والعنف العسكري.
6. خاتمة: نبذة عن نفوذه وتأثيره
6.1. صوت جامع في أمة منقسمة
إن شوقي عبدالعظيم هو صوت حاسم للعقل والمبدأ في مجتمع يعاني من انقسام عميق. فمسيرته المهنية التي بدأت في الصحافة الاستقصائية وانتهت به كمحلل سياسي وكاتب، منحته القدرة على تحليل الصراع الحالي من منظور تاريخي، وسياسي، وثقافي عميق. إن موقفه الثابت في مناهضة الفساد، ومقاومة العنف، والدعوة إلى حل مدني، يجعله شخصية فريدة ومؤثرة في الخطاب العام السوداني.
يتمثل نفوذه في قدرته على تحدي السرديات الشائعة وتقديم إطار تحليلي أكثر عمقاً، يربط الأحداث الجارية بالماضي السياسي للدولة، ويضع الأزمة في سياقها الصحيح. إن إيمانه بالحل المدني وتأكيده على دور الشعب كصاحب مصلحة حقيقية في وقف الحرب، يجعله مصدر إلهام للكثيرين الذين يبحثون عن بديل لحكم البندقية.
المصدر: صحيفة الراكوبة