✍️ طه هارون حامد
شهدت الجزيرة العربية، قبل مولد النبي محمد بن عبد الله ﷺ، حالة من التفكك الاجتماعي، والانحلال القيمي، وسيادة الأعراف القبلية التي جعلت من العصبية، والجاهلية، والتفرقة الطبقية، عناصر مهيمنة على حياة الناس. إلا أن مولد النبي الكريم ﷺ لم يكن مجرد حدث تاريخي، بل كان نقطة تحول مفصلية أعادت صياغة البنية الاجتماعية للمجتمع العربي، ووضعت أساسًا لنظام إنساني قائم على العدل، والمساواة، والتكافل.
1. العدالة الاجتماعية ومحو الفوارق الطبقية
قبل البعثة، كان المجتمع المكي قائمًا على التفاوت الطبقي، حيث يهيمن الأغنياء وأشراف قريش على مقدّرات الناس، فيما يُهمّش الضعفاء والعبيد. ومع بداية دعوته ﷺ، أعلن الإسلام مبدأ المساواة بين الناس، لا فرق لعربي على أعجمي إلا بالتقوى. وقد تجلّى ذلك عمليًا في معاملة النبي ﷺ لأصحابه، دون تمييز بين غني وفقير، أو حر وعبد. وكان من أوائل من أسلموا واعتنقوا هذا المبدأ بلال بن رباح، وصهيب الرومي، وخباب بن الأرت، ممن لم يكن لهم وزن في ميزان الجاهلية، لكن الإسلام رفع شأنهم.
2. ترسيخ قيم التكافل والتراحم
أعاد الإسلام، بقيادة النبي ﷺ، بناء مفهوم العلاقات الاجتماعية على أساس الرحمة والتعاون، فبرزت مفاهيم مثل الصدقة، والوقف، وبر الوالدين، وصلة الأرحام، وكفالة اليتيم، وإغاثة الملهوف. وأصبحت هذه القيم ممارسات يومية، تنعكس في سلوك الفرد والجماعة، بدلاً من أن تكون مجرد فضائل أخلاقية نادرة.
3. مكانة المرأة وإعادة الاعتبار لها
عانت المرأة قبل الإسلام من تهميش شديد، بل وصل الأمر إلى وأد البنات خشية العار. إلا أن النبي ﷺ، ومنذ بدايات دعوته، شدّد على كرامة المرأة وحقوقها، واعتبرها شريكة في بناء المجتمع. وقد خطب في حجة الوداع قائلاً: “استوصوا بالنساء خيرًا”. كما كفل الإسلام للمرأة حق التملك، والتعليم، والإرث، والمشاركة الاجتماعية، في سابقة لم تعرفها المجتمعات السابقة.
4. تفكيك العصبيات القبلية
ألغى النبي ﷺ مبدأ “أنصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا” بالمعنى الجاهلي، واستبدله بمفهوم النصرة في الحق، أي بمنع الظلم لا تأييده. لقد أصبحت القيم الدينية الجديدة هي الرابط بين أفراد المجتمع، بدلًا من الانتماء القبلي، فاجتمع الناس على أساس العقيدة والأخلاق، لا على النسب والدم.
5. إرساء مفهوم المواطنة والتعايش
في المدينة المنورة، وضع النبي ﷺ أول وثيقة مكتوبة لتنظيم العلاقات بين مكونات المجتمع، فيما يعرف بـ”صحيفة المدينة”، والتي ضمّت المسلمين واليهود وغيرهم. هذه الوثيقة شكّلت نواة لمفهوم المواطنة، حيث نظّمت الحقوق والواجبات بين الجميع على قاعدة العدالة والتعايش.
اخيرا
إن التغيرات التي أحدثها مولد النبي محمد ﷺ، وما تبعها من دعوة إصلاحية، لم تقتصر على الجانب الروحي أو العقائدي، بل طالت عمق النسيج الاجتماعي، وأعادت بناء الإنسان على أسس من الكرامة، والحرية، والعدالة. لقد كان مولده ﷺ بداية لعصر جديد، أخرج الناس من ضيق الجاهلية إلى سعة الإنسانية.
[email protected]
المصدر: صحيفة الراكوبة