تحالف السودان التأسيسي وأفق التحرر الإنساني العابر للحدود

لنا مهدي
في قلب التحولات العاصفة التي يشهدها السودان تتبدى ملامح تحالف السودان التأسيسي كمشروع تحرري يتجاوز حدود اللحظة السياسية الآنية ويتطلع لبناء منظومة تحرر إقليمية ذات أفق إنساني عميق ومترسخ في الذاكرة النضالية للشعوب ليس هذا التحالف محض تجميع قوى سياسية بل هو استدعاء صريح للتراث التحرري الذي صاغته حركات مثل جبهة التحرير الوطني الجزائرية ومؤتمر مانديلا الوطني في جنوب افريقيا وثورة الماو ماو في كينيا بزعامة جومو كينياتا وحركة تحرير موزمبيق فريليمو والجيش الشعبي لتحرير فيتنام والمؤتمر الهندي بزعامة المهاتما غاندي وحركات الاستقلال الإيرلندية والحرب الأهلية الإسبانية حيث تلاقت الإرادة الشعبية مع الفعل الثوري لتفكيك بنى القهر وإعادة تشكيل الدولة على أسس الكرامة والسيادة إن تحالف السودان التأسيسي لا يكتفي برفض الاستبداد ولا يتوقف عند مقاومة الهيمنة الداخلية بل يمد جذوره في تربة غنية بنضالات التحرر الجماعي ويمد بصره إلى آفاق تأسيس جديدة قوامها الوعي التاريخي والعمل الجماهيري المشترك ورؤية كونية جامعة تتحدى التبعية وتعيد مركز الإنسان إلى ذاته هنا تحضر أطروحات فرانز فانون بقوة إذ أن ما كتبه عن العنف التطهيري وعن إعادة تشكيل الذات بعد الاستعمار لا يزال ينبض بالحياة ويجد صداه في تجربة السودان اليوم حيث يسعى التحالف إلى اجتراح مسار تأسيسي جديد ليس بالمعنى الإجرائي فحسب بل بالمعنى الوجودي الذي يلامس جوهر الإنسان وحقه في أن يكون سيد مصيره وباني حاضره تحالف السودان التأسيسي بهذا المعنى لا يطرح نفسه كفاعل سياسي عابر بل كرافعة فكرية ووجودية تقترح بديلاً كاملاً يضع في قلبه القيم التي ناضل من أجلها قادة مثل نكروما وتوماس سانكارا وموديبو كيتا وأحمد بن بلة وهوشي منه وغاندي وغرامشي إذ أن كل واحد من هؤلاء لم يكن مجرد زعيم بل حامل لرؤية تتجاوز الجغرافيا وتفكك بنية الهيمنة وتؤسس للكرامة الجماعية في كل خطوة يخطوها هذا التحالف يظهر الإصرار على القطع مع الدولة الاستعمارية العميقة التي ما تزال تتحكم في مفاصل المجتمعات حتى بعد رحيل الاستعمار الرسمي وفي كل خطاب يصدر عنه تلوح ملامح مشروع سياسي جديد يعيد تعريف السلطة ويعيد توزيع الثروة ويعيد الاعتبار إلى الريف والهامش والمرأة والمهمشين في كل مكان لقد آن الأوان لأن تلتقي تجارب التحرر الكبرى في منصة واحدة تعبر عن طموحات الشعوب لا مصالح النخب وتبني تحالفات تستند إلى التضامن الوجداني قبل الترتيبات الرسمية وتؤسس لاقتصاد مقاوم قبل الانغماس في آليات السوق وتعيد للفكر الثوري مكانته في معركة المستقبل وهكذا فإن تحالف السودان التأسيسي لا يراهن على اللحظة بل على التاريخ لا يراهن على الأشخاص بل على الجماهير لا يراهن على التحالفات المرحلية بل على التأسيس الجذري العميق الذي يعيد للسودان مكانته كقاطرة تحرر إنساني وكجسر بين الذاكرة والكرامة والمستقبل ولعل الدرس الأعظم المستفاد من فرانز فانون ليس فقط في تأكيده على أن التحرر فعل عنيف بل في إصراره على أن التحرر لا يكتمل إلا حين تستعيد الشعوب قدرتها على الحلم وأن تحالف السودان التأسيسي في سعيه إلى وطن جديد إنما يعلن ذلك الحلم في زمن الخراب ويرفع رايته في وجه الاستحالة ويقول للناس إن الحرية لا تمنح بل تنتزع وإن التاريخ لا يكتب بالحياد بل بالفعل والفكرة والإرادة الجماعية .
[email protected]
المصدر: صحيفة الراكوبة