شهدت الساحة السودانية، خلال الأيام الماضية، جدلًا واسعًا حول قرارات جديدة من وزير التعليم التهامي الزين، في حكومة كامل إدريس، وُصفت بأنها “تخالف كل الأعراف والمواثيق الدولية وحقوق الإنسان وتستغل حالة العوز والفقر والتهجير لدفع الأسر السودانية للموافقة على الزج بأبنائهم في معسكرات الجيش مقابل القليل من المال والغذاء والإمساك بالسلاح بدلًا من القلم”.

ويرى مراقبون أن “أطفال السودان تحولوا إلى وقود للمعارك في استراتيجية متعمدة لإطالة أمد النزاع واستنزاف المجتمع”، وقد أكدت توجهات الحكومة الجديدة هذا المسلك بحديثها عن الإغراءات والمميزات، التي توفرها لهؤلاء الأطفال وأهاليهم في “مخالفات صريحة لحقوق الإنسان والطفل”، علاوة على الآثار السلبية على الأجيال والصحة النفسية والصدمات والإعاقات الدائمة والوصم الاجتماعي، ويعيد إلى الأذهان إرثًا طويلًا من تجنيد القاصرين منذ عهد الدفاع الشعبي والبشير.

تجاهل حقوق الأطفال

بداية تقول لنا مهدي، الخبيرة السودانية في الشؤون الأفريقية وفض النزاعات: “تصريحات وزير التعليم السوداني التهامي الزين، بإعفاء الطلاب المشاركين في المعارك من الرسوم الدراسية تمثل فضيحة سياسية وأخلاقية قبل أن تكون قرارًا إداريًا، هذه الكلمات التي خرجت من مسؤول يفترض أن يكون حاميًا للتعليم ومناصرًا للطفولة، هي في حقيقتها اعتراف موثق بأن أطفال السودان يساقون إلى ساحات الحرب تحت رعاية الدولة لا حمايتها، القرار يحوّل التعليم من حق أساسي إلى مكافأة على الدماء المسفوكة في جبهات القتال”.

وأضافت الخبيرة السودانية في الشؤون الأفريقية وفض النزاعات في حديثها لـ”سبوتنيك”: “هذه التصريحات لم تأتِ في فراغ، فقد تزامنت مع انتشار مقطع فيديو صادم وثّقه ناشطون يظهر جثث أطفال يقاتلون في صفوف مجموعات متحالفة مع الجيش خلال معارك عنيفة في كردفان، المشهد الدامي كشف حقيقة صادمة لكل من يحاول إنكارها، أطفال لم يبلغوا سن الرشد يحملون السلاح ويموتون في ميادين الحرب، بينما المسؤولون يتحدثون عن إعفاء دراسي وكأن حياة الصغار لا تساوي سوى رسوم مدرسة”.

وتابعت مهدي: “الوزير حين أعلن إعفاء المقاتلين الصغار من الرسوم الدراسية رسم صورة واضحة لسياسة الدولة، فالمدرسة لم تعد مكانًا للتعليم بل أصبحت جائزة تمنح بعد خوض الحرب والنجاة من الموت، هذه السياسة تدفع الأسر الفقيرة دفعًا لتقديم أبنائها للجبهات، فالفقير الذي لا يملك ثمن كتاب أو زي مدرسي سيرى في البندقية طريقًا إلى الصف الدراسي، وهكذا يتحول الفقر إلى أداة قذرة لإعادة إنتاج الاستغلال”.

وأشارت إلى أن “الأخطر من ذلك أن الحكومة لم تكتفِ بالصمت تجاه هذه الظاهرة بل منحتها شرعية رسمية عبر وزير التعليم نفسه، هذه الشرعنة تمثل انتهاكًا مباشرًا للمواثيق الدولية، التي وقّعت عليها الدولة السودانية وتحظر تجنيد الأطفال في النزاعات المسلحة، كما أنها خرق صارخ للقوانين المحلية التي تحمي القصّر، ومع ذلك اختارت السلطة أن تبارك الجريمة علنًا عبر إعفاء دراسي يقدم على أنه امتياز بينما هو في الحقيقة وصمة عار”.

جريمة مزدوجة

وأوضحت مهدي أن “تصريحات الوزير فتحت بابًا واسعًا للتساؤلات حول جدية الحكومة في مواجهة تجنيد الأطفال، فإذا كان رأس الوزارة التعليمية يرى أن القتال سبب للإعفاء من الرسوم، فما الذي سيقوله المعلم في الصف وما الذي سيتعلمه الطفل عن قيمة التعليم حين يعرف أن البندقية هي الطريق الأسرع إلى المدرسة، بذلك تنهار منظومة التربية من جذورها لأن القدوة نفسها تحولت من المعلم إلى المقاتل”.

وقالت مهدي: “المجتمع الدولي الذي لطالما حذر من تجنيد الأطفال، يجد اليوم أمامه اعترافًا رسميًا لا لبس فيه، والفضيحة لم تعد تقارير حقوقية أو اتهامات منظمات بل تصريحات علنية مصحوبة بأدلة مصورة لجثث صغار يسقطون في ساحات المعارك، المسؤولية هنا لم تعد مسؤولية جماعات مسلحة مجهولة بل مسؤولية دولة كاملة وفرت الغطاء السياسي لتجنيد الأطفال ووفرت له غطاء تعليميا أيضا”.

ونوّهت إلى أن “تحويل التعليم إلى ثمن للدماء جريمة مزدوجة ضد الطفولة وضد المجتمع، فالأطفال الذين كان يفترض أن يكونوا طلاب الغد صاروا جنودًا اليوم، والأجيال التي يفترض أن تبني المستقبل يجري تفريغها في مقابر الحرب، مع كل طفل يقتل في جبهة ينهار حجر من جدار المستقبل، ومع كل قرار حكومي يشرعن هذه الجريمة ينهار ما تبقى من الثقة في الدولة”.

واختتمت مهدي: “ما قاله الوزير التهامي الزين، لن يمحى بسهولة لأنه وثيقة إدانة ضد سلطة تحولت من موقع الحامي للطفولة إلى موقع المشرعن لقتلها، وإذا لم يفتح تحقيق عاجل وتتخذ إجراءات حاسمة لوقف هذه الممارسات فإن السودان سيجد نفسه أمام وصمة لا يمحوها الزمن، وستبقى أسماء المسؤولين مكتوبة في صفحات التاريخ كمن شرع لتجنيد الأطفال بدل أن يحميهم”.

تداعيات خطيرة

من جانبه، قال عادل عبد الباقي، رئيس منظمات المجتمع المدني السودانية: “يواجه السودان أزمة إنسانية وأمنية متفاقمة منذ اندلاع الصراع المسلح بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع في أبريل (نيسان) 2023، مما أدى إلى تدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والإنسانية في مختلف أنحاء البلاد، من بين التداعيات الخطيرة لهذا الصراع، تبرز ظاهرة تجنيد الأطفال، حيث يتم استغلال هشاشة الوضع الاقتصادي والفقر المدقع لإجبار أو إغراء الأطفال بالانخراط في العمليات القتالية”.

وأضاف في حديثه لـ”سبوتنيك”: “يعاني السودان من معدلات فقر مرتفعة، حيث تشير تقارير لمنظمات المجتمع المدني السودانية إلى أن أكثر من 77 بالمئة من السكان يعيشون تحت خط الفقر، وتسبب الصراع العسكري في نزوح أكثر من 11.4 مليون شخص داخليا وخارجيا، مما زاد من هشاشة الأسر الفقيرة، ومع تفكك النظام التعليمي وانهيار البنية الاجتماعية، أصبح الأطفال أكثر عرضة للاستغلال، وتشير شهادات وتقارير لمنظمات المجتمع المدني السودانية إلى عدة أنماط من عمليات التجنيد”.

وتابع عبد الباقي: “من بين طرق تجنيد الأطفال نجد التجنيد القسري بأن يتم اختطاف الأطفال أو تهديد أسرهم من قبل جماعات مسلحة، وإجبارهم على القتال أو تنفيذ مهام لوجستية، إضافة إلى التجنيد عن طريق الإغراء المالي، حيث تقوم أطراف النزاع بعرض مبالغ مالية زهيدة على الأطفال أو أسرهم مقابل مشاركتهم في القتال، علاوة على استغلال الأسر وإجبارهم على تقديم أحد أبنائهم كوسيلة للبقاء أو حماية باقي أفراد الأسرة، كما أن بعض المناطق تستخدم المراكز التعليمية أو مراكز الإيواء كأماكن لاستقطاب الأطفال تحت غطاء التدريب أو التأهيل”.

التنظيمات المسلحة

وأشار رئيس تجمع منظمات المجتمع المدني إلى أنه “مع ارتفاع معدلات البطالة وغلاء المعيشة، تلجأ بعض الأسر إلى السماح لأبنائها بالانضمام للجماعات المسلحة كمصدر دخل، وفي ظل تراجع السلطة المركزية وانهيار المؤسسات، تنشط الجماعات المسلحة بحرية دون رقابة أو محاسبة، هذا بجانب توفر السلاح وسهولة الوصول إليه يسهل من عمليات تجنيد الأطفال في المناطق الريفية والحضرية على حد سواء”.

وحذّر عبد الباقي من أن “عمليات تجنيد الأطفال لها آثار نفسية وجسدية، حيث يعاني الأطفال المجندون من اضطرابات نفسية وإصابات جسدية وانقطاع دائم عن التعليم، علاوة على أن استمرار تجنيد الأطفال يشكل انتهاكًا صارخًا لاتفاقية حقوق الطفل والقانون الدولي الإنساني، وتؤدي هذه الممارسات إلى تدمير مستقبل الأطفال والمجتمع على المدى الطويل”، مشيرًا إلى أن “ظاهرة تجنيد الأطفال في السودان تمثل جريمة متعددة الأبعاد، تعكس استغلالًا بشعًا للفقر وانهيار مؤسسات الدولة، ويتطلب التصدي لها جهودًا متكاملة من الدولة والمجتمع الدولي ومنظمات المجتمع المدني، لضمان حماية الأطفال وحقوقهم، ووضع حد لهذه الممارسات اللاإنسانية”.

واندلعت الحرب في السودان، في 15 أبريل/ نيسان 2023، بين الجيش بقيادة عبد الفتاح البرهان، وقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي)، في مناطق متفرقة من السودان، ما أثّر على الخدمات الصحية والأوضاع المعيشية للسودانيين، خاصة في تفاقم أزمة النزوح داخليًا وخارجيًا.
سبوتنيك

المصدر: صحيفة الراكوبة

شاركها.