إن الباطل مهما تجمّل وتزيّن، يظلّ عارياً مفضوحاً، لا تستره خطابات الإنكار، ولا تبرّره بيانات الكذب. وإن البرهان والكيزان مهما حاولوا تغطية جرائمهم، فإن دماء الأبرياء وأرواحهم التي أزهقت ظلمًا وعدوانًا ستبقى تلعنهم في الدنيا والآخرة، وتلاحقهم في صحف التاريخ الأسود.

في أم درمان، الموت لا يأتي صاخبًا، بل صامتًا، متسللاً في أنفاس الأطفال والشيوخ، في كبد شاب ذبل قبل أوانه، في كُلْية أُمٍّ صارت تعيش على الغسيل، لا على الأمل. الكيماوي ليس إشاعة، بل واقع حيّ يعيشه الناس في أجسادهم قبل أن يروه بأعينهم. وقد ظهر في سنار وفي شرق الجزيرة وفي كردفان، بل في كل مكان، ولا يحتاج إلى لجان تحقيق دولية ولا تقارير طبية خجولة. من يدفن أهله كل يوم يعرف الحقيقة، ومن يخشى التحدث عنها خوفًا من الملاحقة يعرف أكثر، ومن تنفق ماشيته واغنامه بلا سبب يعرف ذلك، ومن لا تنبت ولا تثمر زراعته يدرك ذلك.

هل تظنون أن إنكاركم سيُطفئ رائحة الغازات التي خنقت البيوت؟ هل تعتقدون أن التعتيم الإعلامي سيُطفئ لهيب الحناجر المحروقة؟ لقد سقط القناع، وكل من رأى الخرطوم وأم درمان والفاشر وولايات كردفان وسنار والجزيرة يعلم أنكم لم تكتفوا بالقصف والتجويع، بل نزلتم إلى حضيض الجريمة باستخدام أسلحة محظورة دوليًا ضد المدنيين، في خيانة ممقوتة لشعبكم ولأخلاق البشر.

الهزائم التي مُني بها جيشكم والمشتركة في الفاشر وكردفان، لم تأتِ من فراغ. إنها نتيجة طبيعية لجيش فقد بوصلته، وقيادة خانت الوطن، واختارت أن تحتمي بالغازات السامة بدلًا من أن تواجه الحقيقة. لا رجولة في قصف المدن، ولا نصر في تسميم الأطفال، ولا شرف في قتل الضعفاء.

وإنكم لا تخشون الله، ولا تؤمنون بيوم حساب، فلو كنتم تؤمنون، لما نكثتم بالعهود، ولما بعتم الوطن وقاتلتم شعبه. ولكن اعلموا أن الحساب قادم، وأن عدالة الأرض قد تتأخر لكنها لا تغيب، وعدالة السماء لا تُخطئ.

سيُحاكَم هذا الباطل، وإن طال الزمان، وستُرفع الدعاوى باسم كل من مات مظلومًا، وكل من عاش مريضًا بسبب جُبنكم وجُرمكم. لن تعودوا إلى كراسي السلطة، مهما موّهتم، ومهما لبستم من عباءات الدين الزائفة أو الوطنية الزائفة.

ختامًا: الكيماوي لا ينسى.. والموت الصامت أبلغ من صراخكم. والشعب، وإن صبر، لا يسامح من قتل أبناءه.

وإننا على يقين: أن هذا الوطن سينهض، لكن دونكم، ودون شركاء الدم.

المصدر: صحيفة الراكوبة

شاركها.