محمد بدوي


محمد بدوي

بابنوسة، مدينة على بعد حوالي (٦٧٩) كيلو مترا من الخرطوم، إداريا فهي إحدى المحليات داخل حدود ولاية غرب كردفان، وتعتبر من المدن التي انتمت إلي الشريط الاستوائي، ويظهر ذلك من اسمها كاشتقاق لغوي وتصريف شفاهي ربط بين انتشار أشجار الابنوس كأصل ومشتق وهي بابنوسة، عدد سكانها يقدر ب ٥٠ ألف نسمة يقطنون حوالي ٢٤ ضاحية او حي بالمدينة.
حفز موقعها وطبيعة علاقات الإنتاج لتصبح مقرا لمصنع البان بانوسة الذي أفتتحه فى العام ١٩٦٠ المارشال جزويف تيتو رئيس يوغسلافيا الإشتراكية، فى عهد الرئيس الأسبق الجنرال إبراهيم عبود، وكان اول مصنع صمم لإنتاج اللبن المجفف فى إفريقيا والشرق الاوسط، قبل أن يمتد إليه سياسات الاغلاق فى العام ١٩٩٠ من قبل حكومة الاسلاميين السودانيين فى حالة مشابهة طالت العديد من المشاريع ، كما كانت مقرا لشركة شيفرون فى الثمانينات حينما بدءت عمليات إستكشاف البترول بينما كان المصفي في منطقة أبوجابرة التي تعتبر إحدي إدارياتها . ..

تعتبر المحطة الثانية لسكك حديد السودان عقب الرئاسة بمدينة عطبرة،بولاية نهر النيل فهي تربط الشمال عبر الخط القادم من الشرق والممتد الي الغرب والمتفرع نحوالجنوب، فهاهو الحال يمكن تلخيصه فى “تلغراف: من ناظر محطة بابنوسة الى رىاسة السكة حديد بعطبرة ” لم يعد أحد بالمدينة، فتوقف القطار “.
سياسيا تعتبر زينة مدائن الإعتصامات السلمية ففي العام ٢٠١٤ سجل ذاكرة المقاومة السلمية اعتصام بابنوسة الذي امتد لثلاث اشهر تتقدمه حزمة مطالب خدمية، صحة حيث اثر إستخراج النفط على ظهور امراض مزمنة، كما اثر على البيئة ، تعليم وفرص توظيف فى ولاية تحتضن الثروة الحيوانية، حقول النفط، الصمغ العربي والكركدي وغيرها من المنتجات ذات التاثير في ميزانية الدولة العامة، حفز الإعتصام قيام إعتصام آخر في مدينة لقاوة ” لقاوة حلاوة” فى ذات العام بمطالب تكاد تكون متطابقة لكنه إستمر لفترة أقصر حوالي الشهر، لكن إستطاعت الرقابة القبلية على الصحف انذاك من الحد من ذيع صيت الحدثين ومواجهة الصحف ورؤساء التحرير والصحفيين والصحفيات ببلاغات جنائية، ولعل أبرز تلك الدعاوي الجنائية على سبيل المثال لا الحصر في مواجهة صحيفة الميدان ورئيس تحريرها آنذاك الاستاذة مديحة عبدالله .
اقتصاديا كسبت أهمية إرتبطت بالاوضاع السياسية والعسكرية الناتجة عن الحرب السياسية، فكانت محطة تجارية هامة ربطت الشريط الحدودي الشمالي والجنوبي اقتصاديا خلال فترة الحرب السياسية بين الخرطوم والحركة الشعبية لتحرير السودان، وعسكريا أهلها موقعها إلي أن تكون مقرا للفرقة العسكرية (٢٢) التابعة للجيش .

منذ الأسبوع الأخير من يناير ٢٠٢٤ وبالتزامن مع بداية الهجوم عليها من قبل الدعم السريع بدا سكانها في الخروج من المدينة بحثا عن الأمان ، حيث كان الجيش يستهدف أي مكان محتمل لوجود الدعم السريع بما شمل داخل الاعيان المدنية ” أحياء المدينة”، بينما كان الدعم السريع يعرض المدنيين للانتهاكات لإجبارهم على مغادرة المدينة، ووصم كل من أراد البقاء بالمتعاون، فترتب على نشاط كلا الطرفين سلسلة من الانتهاكات وجهت نحو المدنيين، فقادت الحالة إلي أن تصبح ضواحيها ال٢٤ خالية من الوجود المدني للسكان المقدر عددهم ب ٥٠ الف نسمة، فقد تحول السكان إلي نازحين مع أعداد اقل للاجئين الي دول الجوار عبر الحدود مع جنوب السودان
النزوح المر صار بوصلة للفارين من جحيم الحرب التي خبروها لخمسة عقود فعرفوا آثارها في سياق فترات الحرب السياسية بين الخرطوم وحركتي الأنانيا ١ و٢ ثم مع الحركة الشعبية لتحرير السودان، خرج المدنيون صوب مدن وحضر غرب كردفان، المجلد ، الدبب ، ستيت ، كجيرة وغيرها ، فكانت مدينة الفولة وضواحيها المحطات الاولي، إلي ان دشن الهجوم من قبل الدعم السريع على الفولة فنزح البعض نحو مدينة النهود في رحلة ثالثة ، لم تكن النهود سوي فترة أمان قصيرة، فنزحوا نحو الأبيض عاصمة شمال كردفان في الرحلة الرابعة للنزوح، كأنهم يكررون رحلات نزوح نازحي معسكرات غرب دارفور في الفترة بين(٢٠٢٣ ٢٠٢٣).

تركوا كغيرهم كل ممتلكاتهم وذكرياتهم وحملوا ما خف وزنه، فالمدينة تعشق كرة القدم كإحدى الرياضات التي يشهد عليها عدد الاندية التي فاقت ال٢٥ نادي في الدرجات الثلاث ” الاولي ، الثانية والثالثة” واحتضانها لأول اتحاد محلي لكرة القدم بغرب كردفان .

لا يزال مقر الفرقة العسكرية (٢٢) تحت سيطرة الجيش مع استمرار الهجوم عليها من قبل الدعم السريع، صمود الفرقة ٢٢ جاء بردها على الهجوم بقصف وبزرع الألغام الأرضية حولها، فبابنوسة تمثل حالة تحول المساكن إلي قواعد عسكرية، بما يعيد طرح سؤال جدوي الحرب وماهيتها !! وفي ذات الوقت تثير بقوة ضرورة وقف الحرب، فروابط الدم تجعل من المتقاتلين في الطرفين أخ أو بن عم !

أخيرا: بابنوسة تمثل إحدى النماذج للهدر الانساني المرتبط بالسياسات العسكرية والسياسية والتنموية في سجل بعد الاستقلال، وتمثل حالة عالمية لمدينة خالية من المدنيين الذين أجبرهم القتال على الفرار خلال حرب أبريل ٢٠٢٣ في ظل حال عرقلة فيه وصول المساعدات الانسانية.

المصدر: صحيفة التغيير

شاركها.