حرب السودان التي اشتعلت شرارتها الأولى في ـ 15 أبريل 2023 ـ لم ينحصر تأثيرها على حدود الوطن الجغرافية، بل اخترق بارود رصاصها القاتل حدود البلاد البرية والمائية و أجوائها ليستقر في قلوب و (جيوب) المغتربين السودانيين،

في شتى بلاد العالم. المغتربون تحولوا بين ليلة وضحاها إلى بنوك طعام و(تكايا) عن بعد لأهاليهم وأصدقائهم ومناطقهم، حملوا على أكتافهم مسؤوليات جسام، قسموا ريع وظائفهم بين أسرهم الصغيرة والكبيرة، سهروا الليالي على شاشات هواتفهم يتابعون لحظة بلحظة ما يجري في السودان خاصة أيام الحرب الأولى وعمليات التشريد والانتهاكات الممنهجة.

صمدوا أمام تحديات عديدة أبرزها الاستقرار النفسي والاجتماعي والاقتصادي، خلال تلك الفترة عاش المغتربين، ضغوطاً نفسياً قاسية مع يوميات الحرب و إفرازاتها السالبة وكأن آلتها تلاحقهم في مواقعهم رغم بعدهم الجغرافي الشاسع عن ميدانها ومع ذلك معظمهم سدد فواتير الحرب ليس من ميزانياتهم فقط بل سددوها من حالاتهم النفسية و أمزجتهم على حد  السواء.

حالة مزدوجة

المغترب السوداني ومنذ 15 أبريل ظل في حالة عدم استقرار نفسي خاصة الذين تتواجد أسرهم في مناطق النزاع، تقسم نومهم رغم الإرهاق الجسدي فأصبحوا دون طمأنينة. بين الالتزام المهني في الوظيفة وتدبير شؤون الحياة يعيش هؤلاء المغتربين حالة مزدوجة من الحنين والهم وكثير من الخوف.

بين الغربة والالتزام

دون شك أن مسؤوليات المغتربين السودانيين خلال فترة الحرب التي امتدت لأكثر عامين، غيرت من مستوياتهم المادية والمعيشية بعد أن كانوا يُعتبرون في السابق رمزاً للاستقرار المادي والنفسي، فوجدوا أنفسهم اليوم ودون سابق ترتيب أمام مسؤولية كبيرة تجاه عائلاتهم و مجتمعاتهم المتضررة، هذا التغيير ربما طرأ حتى على مستوى صرفهم على أسرهم الصغيرة فاضطر كثير منهم لسياسة التقشف في بلدان الإقامة بسبب ميزانية الحرب المضافة في تلبية احتياجات الأهل في الداخل.

مبادرات

لم يقف كثير من المغتربين السودانيين مكتوفي الأيدي أمام المبادرات الخيرية التي تعمل على وسائل التواصل الاجتماعي لتوفير الغذاء والدواء وتأهيل الأسر المتضررة ومساعدة الأطفال والأيتام، شاركوا في كثير منها بسخاء مما أتاح لكثير من الأسر التي لم يك لديها أبناء مغتربين في توفير أسباب الحياة

يقول الشاب السوداني “أحمد”، المقيم في السعودية منذ عام 2014، : ” منذ بداية الحرب كنا نساعد بعضنا البعض من خلال مجموعات “الواتساب”، وأصبحنا نسهم في دعم معارفنا وأسرنا داخل السودان”. “أحمد” يضيف أن الأولوية الآن هي إرسال المال وتوفير سبل الخروج و الملاذ الآمن للأهل، ويؤكد على أن المبادرات أخذت شكلا أكثر تنظيماً عبر مجموعات “الواتساب” حيث أصبح المغتربون يسهمون فى دعم معارفهم وأسرهم داخل البلاد أو مساعدتهم فى الخروج إلى دول الجوار. الشاب السوداني “أحمد ” يقول متحسراً، قبل الحرب كانت زيارة السودان فى الإجازات هدفاً تقليدياً للمغترب لكن أصبحت أولوياتنا الآن إرسال المال وتوفير سبل الحياة والملاذ الآمن للأهل، وكثير من المغتربين استخرجوا إقامات لذويهم في السعودية، والبعض الآخر وجه الدعم لمبادرات علاج او مساعدة أيتام وأسر فقدت أربابها بسبب الحرب. “أحمد” روى مفارقة لافتة وقال حتى رسائل ” صباح الخير” و ” مساء الخير” الهاتفية التى تصلنا من أهلنا لم تعد مجرد تحايا كما كانت بل تحمل بين سطورها استغاثة مبطنة وطلبا غير مباشرة للمساعدة

قلق نفسي

تأثير الحرب وانتهاكاتها على الشعب السوداني شكلت واقعاً مريراً على معظم المغتربين نفسياً أكثر من كونها خسائر مادية. “مهدى طارق” المقيم فى كندا يقول: ” إن أكثر ما يقلقني هو تكرار سيناريوهات مشابهة لما جرى فى سوريا والعراق”.

على ذات السياق تذكر “عزة” المقيمة فى “ريتشموند” بالولايات المتحدة منذ عام 2013م. “عزة” قالت ” آخر مرة زرت السودان فى عام 2017م ، لحضور مناسبة عائلية ومنذ ذلك الوقت لم أتمكن أنا وشقيقتي من العودة، وتضيف، كنت أطمح دائما إلى العودة لكن ظروف الدراسة وأحداث الحرب أجهضت تلك الأمنيات، رغم تراجع المعارك الآن تدريجياً وبدأت الحياة تعود إلا أن الخوف من انتكاسة مفاجئة وتجدد الفوضى يجعل فكرة العودة مستبعدة، لكن القلق على أهلي ومنزلهم يظل حاضراً في كل لحظة” .

ويمضي “فتحي” المتواجد فى الولايات المتحدة منذ العام 1998م، في ذات الاتجاه ويحكي عن صعوبة إدارة المسؤوليات بسبب تشتت أفراد أسرته بين السودان ومصر وعمان. “فتحي” قال : إن أكثر ما يرهقني هو تدبير احتياجاتهم في دول متعددة، خاصة أن بعضهم يعيش فى دول خليجية مرتفعة التكلفة، ويضيف أن هذا التشتت يزيد من الصرف المالي ويجعلنا عالقين بين الالتزامات هنا واحتياجاتهم هناك مما يجعلنا نعيش حالة مستمرة من القلق والهم. ويتمنى “فتحي” أن تستقر الأوضاع قريباً حتى يجتمع أهلي فى منزل واحد ولو في إحدى الولايات السودانية.

الخوف على الأهل

“عفاف” مواطنة سودانية تقيم في عجمان بدولة الإمارات العربية المتحدة منذ سنوات تؤكد أن ” الخوف على أهلنا في الداخل كان أقسى من فقدان الموارد المادية”>

أمل العودة

رغم مرارة الغربة، يتمسك السودانيون بالأمل في العودة وإعادة البناء، على هذا النحو قالت “نهلة”، المقيمة في القاهرة، إن ما يحتاجونه هو الأمن والخدمات الأساسية من تعليم وصحة وماء وكهرباء، بينما يرى آخرون أن مساهمة المغتربين يجب ألا تتوقف عند الدعم المالي بل تمتد لنقل الخبرات المهنية والعملية إلى الداخل متى ما تهيأت الظروف.

عمق القضية

الخبير الاقتصادي “كمال كرار” قال لـ(مداميك) إن عدد السودانيين المقيمين في الخارج قبل اندلاع الحرب كان يقدر بـ”١٠” ملايين شخص تقريباً، بينما لجأ حوالي (4) ملايين شخص إلى دول خارجية منذ اندلاعها.

“كرار” قال إن طبيعة المجتمع السوداني القائمة على الترابط الأسري والامتداد العائلي جعلت دوافع الهجرة مرتبطة في الغالب بتحسين الأوضاع الاقتصادية بهدف مساعدة الأسر والمعارف، لاسيما في ظل الظروف المعيشية القاسية التي، عاشها السودان لعقود.

وأضاف أن تحويلات المغتربين مثلت مورداً مالياً مهماً لدعم الاقتصاد الوطني وتغطية تكاليف المعيشة، إذ بلغت ما بين (64) مليارات دولار، سنوياً لكن بعد الحرب تفاقمت الأعباء على السودانيين بالخارج، بعدما فقد الآف المواطنين وظائفهم داخل السودان وأصبحوا بلا مصدر دخل سوى دعم ذويهم المغتربين، الذين باتوا يعيلون أكثر من أسرة ويتحملون تكاليف الإيجار والعلاج والسفر والغذاء.

“كرار” ذهب في حديثه إلى عمق القضية وكشف عن أن كثير من المغتربين اضطروا للاستدانة من البنوك أو العمل الإضافي لتغطية الالتزامات بينما اضطرت بعض الأسر بكاملها لمغادرة السودان والإقامة مع أبنائها بالخارج، الأمر الذى فرض أعباء إضافية مثل توفير السكن المناسب ودفع رسوم الإقامة وتذاكر السفر.

مآسي الحرب

تمضي في ذات الاتجاه الاختصاصية الاجتماعية “أسماء جمعة” إذ قالت يجب أن نعلم أولاً أن المغتربين قبل الحرب لا يعيشون حياة وردية، فهم أيضاً لديهم مشاكلهم التي تتعلق بظروف العمل ونوعه ومتطلباته والتزاماته الشخصية تجاه نفسه وأسرته عموماً وغيرها من التزامات، وكلنا يعلم أن نسبة مقدرة من السودانيين ما كان لهم أن يعيشوا حياة كريمة  لولا أبنائهم المغتربين حتى من قبل الحرب  بسبب أن الدولة السودانية غير مهتمة كثيرا بمعيشة الشعب السوداني، فانتشر بينه الفقر والحاجة.

“جمعة” أضافت أن الحرب بلا شك قد ضاعفت على المغتربين أعباء كثيرة بسبب أن الأسر نزحت أو تشردت أو لجأت إلى دول أخرى وهذه تكلفة إضافية تتطلب زيادة الدعم الذي يقدمه المغترب أضعافاً مضاعفة. الخبيرة الاجتماعية تذهب بالقول إلى أن في حالة تقصير المغترب عن واجبه قد تواجه أسرته ضغوطاً خاصة إذا  تعرضت الأسرة لنكبات إضافية مثل الموت أو الإصابات أو المرض، وهذا يؤثر على المغتربين نفسياً واجتماعياً وصحياً.

“أسماء” قالت إن الحرب تسببت في زيادة الضغوط النفسية والاجتماعية  على  السودانيين المغتربين بدرجة كبيرة وهذه نتيجة اجتماعية خطيرة تضاف إلى مآسي الحرب.

المصدر: صحيفة مداميك

المصدر: صحيفة الراكوبة

شاركها.