د. أحمد التيجاني سيد أحمد

## مقدمة: صرخة من سلة غذاء السودان
في التسجيلات التي وصلت من مزارعي القضارف، لا نسمع مجرد شكوى عابرة، بل صرخة تُنذر بكارثة قومية. المزارع يقول بوضوح: “الموسم انتهى، وحتى لو مولونا الآن ما بنقدر نزرع”. هذه الكلمات تختصر حجم الفشل، وتكشف أن السودان يقف أمام **مجاعة وشيكة**، ليست نتيجة الجفاف أو قلة الموارد، بل بسبب **سياسات مالية وزراعية خاطئة ومقصودة**.

## شهادة من داخل الحكومة
التسجيلات جاءت على لسان أحمد الإمام، نائب رئيس تجمع المزارعين بالإنابة، وهو في الأصل من **جنوب كردفان (تلودي)**، ويظهر في خطابه أقرب إلى موقف الإسلاميين أو المتعاونين معهم. *رد الله غربته!*

ورغم ولائه الظاهر، فقد قدّم شهادة مأساوية عن الواقع الزراعي: أكد أن الزراعة في دارفور وكردفان لم تعد سوى **زراعة تقليدية محدودة**، لا يمكن الاعتماد عليها لتأمين غذاء البلاد، وأن السودان حالياً يعتمد على **الزراعة النيلية** وعلى **الاستيراد من الخارج (الصين وأستراليا نموذجاً)**.

الأخطر في شهادته إشارته إلى أن **جبريل إبراهيم ومالك عقار لا يملكان الوعي أو الاهتمام بخطورة الموقف**، مما أدى إلى فقدان الموسم الخريفي بالكامل. هذا الفشل لا يعني فقط ضياع إنتاج موسم واحد، بل يُنذر بـ **مجاعة قادمة ونقص حاد في إيرادات الزراعة**، إذ أن السودان خسر فعلياً قرابة **٤٠٪؜ من مساهمة الزراعة في الدخل القومي**.

## القضارف… القلب النابض للغذاء
القضارف ليست ولاية عادية؛ إنها **سلة غذاء السودان**. منها تأتي معظم محاصيل الذرة والسمسم والدخن، التي يعتمد عليها ملايين السودانيين. الفشل في تمويل العروة الصيفية بالقضارف يعني ببساطة: **جوع على مستوى قومي**. ما يحدث اليوم في هذه الولاية يعادل انهيار المخزون الاستراتيجي للبلاد، وضياع عمودها الفقري الغذائي.

## التمويل المفقود… والسياسات المسمومة
المزارعون في التسجيلات تحدثوا بالأرقام:
أكثر من **مليون شوال** مخزّنة في الصوامع.
عشرات التريليونات من الجنيهات السودانية مجمّدة بلا صرف.
محاصيل مثل السمسم والتسالي متكدسة بلا تصريف.

ومع ذلك، البنك الزراعي لا يحرّك ساكنًا، لأن **وزارة المالية، عبر الوزير جبريل إبراهيم، ومعه مالك عقار، رفضا أو فشلا في توفير التمويل الزراعي**. البعض يفسر ذلك بضعف خبرتهما الزراعية، لكن التقدير الأقرب للواقع هو أن ما يجري **سوء قصد وتآمر**، لا مجرد جهل، بهدف شلّ الإنتاج القومي وتجويع البلاد.

## مجاعة متعمّدة أم فشل إداري؟
النتيجة واحدة: **تجويع السودان**، وإضعاف المزارعين، وفتح الباب أمام **تغيير ديموغرافي** في مناطق الإنتاج الزراعي الكبرى. عندما يأتي هذا النقد من أصوات محسوبة على النظام، فإن ذلك يعني أن الأزمة بلغت من الحدة درجة لم يعد ممكناً إنكارها أو إخفاؤها.

## الديون والإعسار… قنبلة موقوتة
التمويل المتأخر يعني أن آلاف المزارعين سيُطالبون بسداد ديون لم يستفيدوا منها، لأن الموسم الزراعي مضى. هذا يفتح بابًا واسعًا للإعسار الجماعي، وهو ما سيؤدي إلى:
١. فقدان الأرض الزراعية لصالح البنوك أو المتنفذين.
٢. انهيار الثقة بين المزارعين والبنك الزراعي.
٣. دفع المزارعين للهجرة أو ترك المهنة.

بهذا الشكل، لا نتحدث فقط عن فشل موسم واحد، بل عن **تدمير البنية الاجتماعية والاقتصادية للريف السوداني**.

## جبريل وعقار: أزمة قيادة أم مشروع سياسي؟
اسم جبريل إبراهيم، وزير المالية الحالي، ومالك عقار، يتكرر على ألسنة المزارعين. فهما لم يظهرا تقديراً لمكانة الزراعة في الاقتصاد الوطني، وقراراتهما شلّت البنك الزراعي والبنك المركزي. هذه السياسات لا يمكن تفسيرها إلا باعتبارها جزءاً من **مشروع سياسي لإبقاء السودان ضعيفًا وجائعًا**، وتحت رحمة شبكات مصالح مرتبطة بالمليشيات والحركات المسلحة.

## المخاطر القومية: من القضارف إلى كل السودان
حين تفشل العروة الصيفية في القضارف، لا يتأثر المزارع وحده، بل يتأثر كل بيت سوداني.
أسعار الذرة سترتفع إلى مستويات غير مسبوقة.
الخبز والسلع الأساسية ستتضاعف كلفتها.
النازحون واللاجئون سيواجهون المجاعة مباشرة.

الأمم المتحدة نفسها حذرت سابقًا من أن **نصف سكان السودان مهددون بالجوع**. ما نسمعه الآن من المزارعين يثبت أن هذه التقديرات ليست مبالغة.

## المطلوب الآن: قرارات شجاعة
لكي نوقف الانهيار ونمنع المجاعة القادمة، لا بد من قرارات واضحة وعاجلة:
١. **تحرير البنك الزراعي** من سيطرة وزارة المالية وربطه مباشرة بالمزارعين.
٢. **تصريف المخزون** فورًا لصالح السوق المحلي بأسعار مدعومة.
٣. **وقف سياسة الإعسار**، وإعفاء المزارعين من ديون التمويل المتأخر.
٤. إعلان **خطة طوارئ قومية** لدعم العروة الشتوية القادمة، عبر شراكة مع قوى المجتمع المدني والقطاع الخاص.
٥. **محاسبة وزارة المالية وقياداتها** على السياسات التي أوصلت البلاد إلى حافة المجاعة.

## خاتمة: السودان على حافة الهاوية
التسجيلات التي خرجت من القضارف ليست مجرد أصوات يائسة، بل جرس إنذار قومي. إذا لم يتحرك السودانيون الآن، فإن ما ينتظرنا هو **مجاعة شاملة** ستطيح بما تبقى من الدولة والمجتمع.

إن معركة المزارعين اليوم هي معركة بقاء السودان كله.
**الحقوا السودان… قبل أن يقع الفأس في الرأس.**

مسئوليات حكومةً التاسيس حتمية و عاجلةً

هذا يضع أمام حكومة التأسيس مسئوليات جسام: الانتصار في هذه الحرب الشريرة، وإبادة الإسلاميين، وإعادة الأمور إلى نصابها. هذا يتطلب إقناع العالم ووكالات الأمم المتحدة وبرنامج الغذاء العالمي بأن الحل العاجل هو دحر الحركة الإسلامية، وإيقاف الحرب، واستعادة هياكل السلطة، والتخطيط للنفاذ وترميم القطاع الزراعي فوراً.

د. أحمد التيجاني سيد أحمد
عضو مؤسس في. تحالف تأسيس
٢٨ أغسطس ٢٠٢٥ روما، إيطاليا.

(تمت الاستعانة بالذكاء الاصطناعي في نقل الاصوات وتحويلها إلى موضوع تحليلي)

المصدر: صحيفة الراكوبة

شاركها.