الحرب الأخلاقية : نظرة إلى الحرب من خلال نظرية “الحرب العادلة”

هشام عوض
تعريف ويكيبيديا :
“نظرية الحرب العادلة (Just War Theory) هي مذهب في الأخلاق العسكرية يهدف إلى ضمان تبرير الحرب أخلاقياً من خلال سلسلة من المعايير التي يجب استيفاؤها جميعاً حتى تعتبر حربا عادلة. وقد طورها ودرسها قادة عسكريون وعلماء دين وخبراء أخلاق وصانعو سياسات. تنقسم المعايير إلى مجموعتين: حق بدء الحرب (“jus ad bellum”) والسلوك الصحيح في الحرب (“jus in bello”). تتعلق المجموعة الأولى من المعايير بأخلاقية بدء الحرب، بينما تتعلق المجموعة الثانية بالسلوك الأخلاقي أثناء الحرب. وقد وُجّهت دعوات لإدراج فئة ثالثة من نظريات الحرب العادلة (jus post bellum) تتناول أخلاقيات التسوية وإعادة الإعمار بعد الحرب. تفترض نظرية الحرب العادلة الاعتقاد بأن الحرب، وإن كانت مروعة، وإن كانت أقل سوءاً مع الممارسة السليمة، إلا أنها ليست دائماً الخيار الأسوأ: تقدم نظرية الحرب العادلة تبريراً للحرب عندما يكون العدل من أهداف الصراع المسلح. إن المسؤوليات المهمة، أو النتائج غير المرغوبة، أو الفظائع التي يمكن منعها قد تبرر الحرب”.
عند التأمل للمجموعتين الرئيسيتين للمعايير المذكورتين أعلاه، نجد أنهما تمثلان المعايير السياسية والمعايير العسكرية. حيث أن فعل بدء الحرب تقرره السلطة السياسية، لذلك فهذه المعايير هي سياسية في مجملها، وتشتمل على المعايير الرئيسية التالية:
1. شرعية السلطة.
2. الاحتمالية العالية للنجاح.
3. أن تكون الحرب هي الملاذ الأخير.
4. القضية العادلة.
من الملاحظ أن هذه المعايير لا تُعنى ببدء الحرب فقط، بل تمثل بوصلة أخلاقية لكل القرارات السياسية المتعلقة بالحرب من مفاوضات واتفاقيات، لذلك ربما كان من الأسلم تسميتها بالمعايير السياسية بدلاً عن معايير الذهاب إلى الحرب، نفياً لشبهة تعطيلها حال اندلاع النزاع المسلح.
أما المجموعة الثانية من المعايير التي تتعلق بالسلوك أثناء الحرب، فهي معايير يغلب عليها الطابع العسكري، مثل مراعاة المدنيين في العمليات العسكرية، استخدام القدر المناسب من القوة، التحركات للضرورات العسكرية فقط، المعاملة الإنسانية للأسرى، وعدم استخدام الأسلحة المحرمة.
يحاول هذا المقال في أجزائه التالية تأمل حرب السودان الحالية باستصحاب نظرية الحرب العادلة، وتطبيق المعايير السياسية لهذه النظرية على قرارات خوض واستمرار الحرب، ثم استنباط بعض الدروس التي يمكن أن تكون عوناً في الخروج من النفق الحالي.
أولاً : شرعية السلطة
لا يمكن إقحام شعب بكامله في حرب تؤثر على كل جوانب الحياه، وذلك من ناحية الخسائر البشرية والمادية والخسائر في البنية التحتية، أضف الى ذلك الأثر الاجتماعي للحرب من حيث التأثير على القيم المجتمعية والقيم السياسية للمجتمع، والآثار قصيرة وبعيدة المدى على النظام السياسي، لا يمكن إقحام الشعب في هذه الحرب من دون ان تكون السلطة التي تشن الحرب هي السلطة الشرعية الممثلة للشعب. حيث أن الشعب هو صاحب المصلحة والمتأثر الاول بالحرب، لذلك فالبند الأخلاقي الأول هو أن تكون السلطة التي تشن الحرب شرعية معبرة عن الشعب، وأن يكون العمق الديمقراطي بائناً في قرار شن الحرب بحيث يمثل هذا القرار تطلعات وآراء الفئه الغالبة من الشعب في توقيت شن الحرب.
وبالطبع، لا يمكننا القول ان هناك سلطة شرعية في السودان في الوضع الراهن، حيث أن البلاد مختطفة بانقلاب عسكري من قبل اندلاع الحرب بين شريكي هذا الانقلاب. وفي لحظة اندلاع الحرب فقد كانت المؤسستان المحتربتان تتمتعان بوضع قانوني ودستوري على الأقل حسب الدستور القائم وقتها. وبالرغم من أن الجيش هو المؤسسة الوطنية الدفاعية الطبيعية، ومن أن الدعم السريع هو ميليشيا تشكل تشوهاً عسكرياً باتفاق جميع الاطراف بما في ذلك الدعم السريع نفسه، إلا أن الجيش كمؤسسة وطنية لا يمكن أن يشكل سلطة شرعية لشن الحرب او اتخاذ قرار برفض التفاوض، وذلك لأن قرارات شن الحرب أو استمرارها هي قرارات يجب أن تصدر عن سلطة سياسية شرعية، أما المؤسسة العسكرية فهي سلاح الدولة تنفذ أوامر السلطة السياسية، وليس من حقها اتخاذ هذا النوع من القرارات لأنه لا يجب أن يكون لديها رأي سياسي كمؤسسة، وإلا أصبحت حزباً مسلحاً. ومع أنه من المعلوم أن الجيوش النظامية تشكل صمام الأمان الأخير لبقاء الدُول في حالة غياب السلطة السياسية الشرعية لأي ظرف من الظروف، ولكن حتى في هذه الحالة يجب أن تنأى قيادات الجيوش عن البَتِّ في المسائل المصيرية، وأن يكون هدفها منحصراً في رعاية السلام الكافي للوصول الى سلطة شرعية. قصة هذه الحرب يمكن تلخيصها في انقلاب قيادة الجيش على السلطة الشرعية، ثم اقتتالها مع ابن رحمها، ورفضها للحلول التفاوضية السلمية، لذلك فإن هذه الحرب لم تفرض لأجل بقاء الدولة، بل هي خيار اتخذته النخبة العسكرية لنظام الانقاذ والتي ما زالت في قيادة الجيش.
ثانياً : الاحتمالية العالية للنجاح
لا يمكن تعريض الشعوب للمخاطر المهولة للحروب من دون حسابات عسكرية وسياسية ترجح نجاح الحل العسكري في تحقيق القضية العادلة بخسائر معقولة، وبالرغم من أن هذه المعقولية بالنسبة لأهمية القضية قد تفتح باباً واسعاً لاختلاف الآراء، إلا أن الصورة تبدو أكثر وضوحاً في واقعنا الراهن.
في الوضع السوداني الراهن تختلط احتمالية النجاح مع عدالة القضية، حيث أن الحرب التي تستعر بذريعة الحفاظ على الدولة تنتج المزيد من التهديدات لبقاء الدولة. تدعي النخبة العسكرية الإنقاذية المسيطرة على الجيش أن القضية العادلة لحربها هي الحفاظ على الدولة من ابتلاع الميليشيا، في حين أن استمرار الحرب قد أدى إلى مفاقمة التشوهات العسكرية وولادة وتقوية ميليشيات أخرى، كما أصبحت وحدة التراب وبقاء الدولة مهددتين بتقهقر الوجدان الوطني وارتداده إلى الانتماءات الجهوية والقبلية والعنصرية، وهو ما يميد الأرض التي تقف عليها الدولة ألا وهي الشعور القومي. على عكس التشوهات العسكرية التي يمكن التعامل معها سلمياً وتفاوضياً بإجراءات معروفة، فإن كسور فقدان الشعور القومي لا يمكن جبرها إلا بتعاقب الأجيال في ظل السلام المستدام والتنمية العادلة والحكم الرشيد. إن الحرب التي تسدد مثل هذه الضربات الموجعة للنسيج الوطني لهي حرب خاسرة بغض النظر عن نجاحها في سحق العدو الأولي. ولو كان هناك درس واحد فقط يمكن استخلاصه من التاريخ السوداني المعاصر لكان هذا الدرس هو شيطانية الحرب ومجانية مآسيها : يموت الملايين في محاولة إخضاع شعب سينفصل إلى دولته المستقلة، ثم تُكوَّن الميليشيات لجَزْر حلفاء المستقبل! والآن يتم إضافة مواد جديدة للخلطة المتفجرة وذلك بتمليش أقاليم كانت قد تخلت تماماً عن كياناتها القَبَلية البدائية لصالح سلطة الدولة.
ثالثاً : أن تكون الحرب هي الملاذ الأخير
ليس من المعقول أن يكون احتمال النكسة مبرراً لرفض الدواء، ليس من المعقول رفض التفاوض والحلول السلمية لمجرد احتمالية نقضها من قبل الطرف الآخر، ضمانات التنفيذ هي بند يجب أن يوضع على الطاولة. إن مجرد الشك في احتمالية وجود حل تفاوضي سلمي هو مبرر كافٍ للانخراط في التفاوض ولدحض حجج الحرب. إن حجة ضرورة الحرب تنفيها أبواب منابر التفاوض المشرعة والتعنت الواضح لقيادة الجيش بالرغم من الإجماع المبدئي المحلي والعالمي بعدم وجود مستقبل للميليشيا.
رابعاً : القضية العادلة
من غرائب الحرب الحالية في السودان أن جميع الأطراف متفقة على ما يجب عمله من حيث المبدأ، حيث أن القضية المحورية في هذه الحرب هي مستقبل الدعم السريع، دعاية النخبة الإنقاذية العسكرية تقوم على القضاء على الميليشيا لتحييد خطرها على الدولة، ولكن نفس هذه الميليشيا قد وافقت من حيث المبدأ على حل نفسها في مقابل إصلاح الجيش ليكون مهنياً وقومياً، كما أن جميع القوى السياسية متفقة على هذا المبدأ، ومع ذلك أصرت النخبة العسكرية الإنقاذية على الاستمرار في هذه الحرب بسبب اجندتها الخفية الخاصة التي تناقض خطابها التعبوي المعلن. إن المواقف المتعلقة بتفاصيل دمج وتسرسح قوات الدعم السريع لا ترقى لأن تكون ذريعة لاستمرار الحرب من دون استنفاد الطرق التفاوضية، فالجدول الزمني لإتمام الدمج مثلاً يمكن أن لا يشكل قضية ذات بال في حال توفر ضمانات أخرى مثل الحد من التمويل والعلاقات الخارجية والتحكم في نوعية كمية ونوعية العتاد.
أسلفنا أن الحرب بالإضافة الى كلفتها الإنسانية والاقتصادية، قد زادت من التشوه العسكري بدلاً عن اجتثاثه، وضربت الوجدان القومي بدلاً عن تقويته، وهي في مجملها تشكل المزيد من المخاطر على بقاء الدولة، أي أنها باختصار تعمل تماماً ضد كل الاهداف المعلنة لها.
هذا التناقض البائن بين خطاب الحرب وحصيلتها أدى الى اللجوء لعناصر إضافية في خطاب الحرب تتمثل في التعبئة العاطفية والروح الانتقامية، تحاول دعاية الحرب أن تصور أن الحلول السلمية هي دعوة للتعايش مع الميليشيا، متجاهلة أن هذه الحلول هي تصفية منظمة للمليشيا بدون خسائر، وأن هذه الحلول لا بد من أن تشتمل على طرق لتحقيق العدالة، هذه الدعاية تهدف لنفي كفاية العدالة بإيغار الصدور لخلق حاجة للثأر بالسحق العسكري، كما أنها تحاول تصوير الانتهاكات كضربة للكبرياء الوطني يلزم الرد عليها بالعنف العسكري الأقصى، ولكن هذه الدعاية تحاول ان تمسح من الذاكرة الشعبية أن جميع هذه الجرائم التي تفوق الوصف قد حدثت من قبل في دارفور بقيادة ومشاركة ومباركة النخبة العسكرية الإنقاذية، هذه النخبة تطلب منا تناسي جرائمها لغرض الانتقام من جرائم غريمها الحالي، يجب علينا أن نعي أن هذه النخبة تتحمل وزراً أخلاقياً أكبر من الميليشيا، وزر الشر الخبيث الأيديولوجي المؤسِّس في مقابل شر الجاهل البربري التابع، هذه النخبة تتحمل كل انتهاكات الميليشيا كسيئة جارية، أي أن كل انتهاك تقوم به الميليشيا يحسب مرتين: مرة على الميليشيا، ومرة كسيئة جارية في صحيفة النخبة العسكرية الإنقاذية، هذه النخبة تتحمل أيضاً وزر جرائمها الخاصة ووزر الإصرار على الاستمرار في الحرب ورفض الحلول التفاوضية السلمية.
ومع انكشاف كل مقومات دعاية الحرب، كان لابد لخطاب الحرب من أن ينحدر إلى الدرك الأسفل، نشهد اليوم انحطاط خطاب الحرب نحو الاستقطاب العنصري والجهوي، حيث أن فقدان الأمل في غسل النخبة العسكرية من سيئاتها أدى إلى تغيير الاستراتيجية نحو المزيد من الاستقطاب بحيث تصبح خيارات الناس: إما مجرمينا أو مجرميهم، تحاول هذه الدعاية أن تقول لنا أن هذه النخبة السياسية العسكرية المجرمة هي عصابة أبنائنا، العصابة التي تحمينا والتي يجب أن نقف خلفها للحصول على الحماية من العصابة الاخرى.
أطراف الحرب
التمايز ما بين السياسي والعسكري في معايير نظرية الحرب العادلة يدفعنا إلى التمييز بين أطراف الحرب السياسية وبين أدواتها العسكرية، أطراف الحرب هم من يصدرون الأوامر. الجيش هو سلاح الدولة، القيادة السياسية هي من يضغط على زناده، أي أن القيادة السياسية هي التي تتخذ قرار الحرب، ولذلك هي طرف الحرب. الجيش ليس مؤسسة ديمقراطية تصوت على خوض الحرب او الجنوح إلى السلم، وإلا كف عن كونه جيشاً وأصبح حزباً مسلحاً، الجيش يتلقى تعليمات بالذهاب إلى الحرب أو الاستمرار فيها أو بالسلام أو بالانسحاب أو بالتقدم من أعلى سلسلة القيادة، والتي تخضع بالضرورة لقيادة سياسية. عند حدوث انقلاب عسكري واستلام جنرالات الجيش للحكم يتحول هؤلاء الجنرالات الى قيادة سياسية ولكن لا يتحولون إلى الجيش، الجيش في مجموعه أفراد وعتاد وأنظمة ولوائح وقوانين وثقافة غير مكتوبة، ولا يمكن اختزاله في عدد من الجنرالات الحاكمين أو في شخص القائد العام، بالعكس تماماً: العسكري الانقلابي هو خائن للدستور الذي يدافع عنه الجيش. لذلك فالقول بأن الجيش هو المؤسسة الوطنية ويجب دعمه بغض النظر عن رأينا في قرارات الحرب والسلام مقولة تحتوي على مغالطة كبيرة، حيث أن الجيش ليس طرف الحرب إنما هو سلاحها، طرف الحرب هو القيادة السياسية التي تتحكم في الجيش، وهي النخبة العسكرية السياسية الإنقاذية التي تتخذ قرارات الاستمرار في الحرب، ولو كانت القيادات العسكرية تمثل الجيوش لوجب على كل الشعوب الاستسلام لكل الانقلابات العسكرية بادعاء أنها تمثل الجيش الوطني.
يجب على دعاة السلام أن لا يبتلعوا طُعم الدعاية الإنقاذية التي تحاول تصوير أن هذه الحرب هي حرب الجيش الوطني، ليدفعوا معارضي الحرب للإساءة للجيش، يجب على دعاة السلام التفريق بين القيادة السياسية التي تتحكم في الجيش وبين الجيش كمؤسسة وطنية، وعدم نسيان هذا التمايز واستصحابه في خطاب السلام.
إن هذا التمايز بين الجيش والخاطفين السياسيين للدولة لم يفت على فطنة الوعي الشعبي السوداني، فمع العِلم باحتراق كرت النخبة السياسية والعسكرية الإنقاذية في الشارع السوداني، إلا أننا ما زلنا نلاحظ العاطفة الوطنية السليمة للشعب السوداني تجاه جيشه، ويتمثل ذلك في احتفالات النصر وفي العودة السريعة للنازحين حال تحرير المدن، يمثل هذا ثقه في المهنية الكافية للجيش لفرض درجه معقوله من الأمن تسمح بتدوير عجلة الحياه، ومع ذلك لا يعني هذا انه قد تم مسح البديهيات من الوعي الشعبي، تلك التي تتعلق بجذور الازمة ومنابع تكوين الميليشيا وبرمجة ثقافتها القتالية، والإصرار الإجرامي على استمرار الحرب وإعادة تدوير التشوهات العسكرية المجربة. ولكن علينا أيضاً أن نستذكر احتفاءاتنا بالسلام في تاريخنا القريب، مثل اتفاقية السلام الشامل أو اتفاقية جوبا، لنتيقّن من أن جمر السلام حي تحت رماد قمع دولة الحرب.
دعم الجيش
من هذا المنطلق نرى أن دعم الجيش ليس في دعم الحرب، دعم الحرب هو دعم لأجندة سياسية لدوائر سياسية معيّنة. دعم الجيش يتمثل في الحفاظ على أرواحه وعتاده من الحروب غير الضرورية، دعم الجيش يتمثل في العمل على نظام حكم رشيد ينتج تطوراً اقتصادياً وتكنولوجياً يصب في مصلحه تسليح وتدريب وتجهيز الجيش بالخبراء والأنظمة الدفاعية المتطورة. وقبل كل ذلك دعم الجيش يتمثل في الإيمان بوحدانيته وعدم تقويضها عن طريق خلق الميليشيات وفوضى السلاح، والإيمان بمهنيته وعدم العمل على جعله جناحاً عسكرياً لحزب سياسي. إن دعاية الحرب القائمة على الاختباء خلف الجيش بادعاء أن هذه حربه وهو طرفها تمثل صفعة في وجهه لما تتضمنه من قدح في مهنيته ونسبة أجندة سياسية إليه. الدعم الأكبر للجيش يكمن في تحريره من الفيروس الذي استولى على وحدة التحكم فيه ليستخدمه في قطع الطريق على التطلعات الشعبية المشروعة، وفي تقويض الوحدة الوطنية وفي التهديد الوجودي للدولة.
[email protected]
المصدر: صحيفة الراكوبة