
سيف الدولة حمدنا الله
لا معنى للطعن فيما سار به البرهان على طريق سلفه عمر البشير باختياره للسيد/ وهبي محمد مختار رئيساً للمحكمة الدستورية، فالبلاد ليس بها دستور ولا نصف دستور، حتى يقوم وهبي أو غيره برعاية الحقوق والحريات التي تُؤسًس المحاكم الدستورية لحمايتها، ويعود إلى السيد/ جلال علي لطفي وهو أول شخص عيّنه البشير في رئاسة المحكمة الدستورية عند إنشائها في عهده، يعود لجلال لطفي أنه كان وراء إجهاض الهدف من وراء إنشاء المحكمة الدستورية باعتبار أن مهمتها الرئيسية والحصرية هي حماية الدستور عند الطعن في القوانين والقرارات التي تصدرها الدولة بمخالفته، وجعل جلال علي لطفي ومن تعاقبوا على رئاستها من بعده، جعلوا من المحكمة الدستورية درجة تقاضي ثالثة، فتركت الدستور في حماية الحي الدايم، وانخرطت في مراجعة أحكام المحكمة العليا بالنظر في قضايا الميراث والقضايا الجنائية والمدنية.
الأصل أن المحاكم الدستورية تكون الرقيب وصمام الأمان في حماية حقوق وحريات المواطنين ضد القرارات والأوامر التي يصدرها رأس الدولة وما دونه من منسوبي الدولة بالمخالفة لنصوص الدستور، وتلك هي الأسباب التي تجعل من المعيب وغير المقبول أن يتم تعيين رئيس وأعضاء المحكمة الدستورية بواسطة رأس الدولة، لأنهم في هذه الحالة يحملون لرأس الدولة جميلة في إكرامهم بمثل تلك المواقع الرفيعة وما يستتبعها من امتيازات، وهم يدركون أن استمرار بقائهم في وظائفهم مرهون برضاء رأس الدولة عن أدائهم وفق رغباته، ويستطيع عزلهم والإطاحة بهم متى أبطلوا له قانوناً أو قراراً يصدره هو أو أتباعه بالدولة. (البشير عزل رئيس المحكمة الدستورية السابق عبدالله أحمد عبدالله على خلفية مشاركته في هيئة تحكيم بقرار شفهي نقله إليه نائبه بكري حسن صالح).
لا يستطيع شخص أن يُجادِل في أن يكون البرهان قد وقع اختياره على السيد/ وهبي محمد مختار لرئاسة الدستورية؛ بسبب شيء غير الذي قدمَه وسلفه من قبله من خدمات جليلة لحكم الإنقاذ الاستبدادي عبر أحكام وقرارات المحكمة الدستورية، وإليك هذه النماذج من “المبادئ” أرستها المحكمة الدستورية في حماية النظام لا حماية الحقوق والحريات التي ينص عليها الدستور:
ففي الدعوى التي أقامتها صحيفة “مسارات” ضد جهاز الأمن قضت المحكمة الدستورية بأن “الرقابة المسبقة على النشر بواسطة الأمن تُعتبر سلطة دستورية “، كما حكمت في القضية المرفوعة من فاروق محمد إبراهيم ضد جهاز الأمن “بأن جرائم التعذيب تسقط بالتقادم ” و “أن التعذيب له مرجعية إسلامية”، وهي المحكمة التي أرست سابقة في قضية عمار نجم الدين ضد جهاز الأمن ” بأن فترة السنة التي يمضيها المواطن في الاعتقال تُعتبر مدة معقولة”، كما قضت في حكمها في قضية فاروق أبو عيسى وأمين مكي مدني ضد جهاز الأمن “بأنه من الجائز منع المقبوض عليه من إخطار محاميه ” كما حكمت في قضية وجدي صالح وآخرين ضد جهاز الأمن، “بأن تفريق المظاهرات واعتقال المتظاهرين ليس فيه مخالفة للدستور”.
بطبيعة الحال لا معنى لمناقشة الخلل في المرجعية التي استند إليها البرهان في تعيين السيد/ وهبة مختار رئيساً للدستورية ولا ما سيعقب ذلك من تعيينه لأعضائها، فالبرهان اليوم يتصرف في البلاد وأهلها تصرف المالك في ملكه.
قبل الإنقاذ، ومنذ استقلال السودان لم تكن هناك محكمة دستورية، وكانت الحقوق الدستورية ترعاها دائرة بالمحكمة العليا، حين كان قضاتها بحجمها ومقدارها، وقد اشتهر من بينهم القاضي العالم هنري رياض سكلا وهو فقيه وعالم في مجال القانون الدستوري، وقد أضاف بعلمه للمكتبة القانونية إرثاً لا يُضاهى تضمنته نشرات مجلة الأحكام القضائية التي تتدارسها الأجيال المتعاقِبة من القانونيين (أُحِيل القاضي هنري رياض للصالح العام بُعيد انقلاب الإنقاذ قبل أن يتوفاه الله بعد ذلك).
المصدر: صحيفة التغيير