استدامة الحرب أم ترتيبات لتسوية واستبداد جديد!!

د. أحمد عثمان عمر
مضت الأيام الأخيرة من رمضان المبارك وأيام عيد الفطر بطيئة وثقيلة على الأنفس، بين أفراح الجيش المختطف المصنوعة والمتكلفة المصحوبة بالجرائم المريعة في العاصمة المستردة الخرطوم، والقصف بالخطابات والخطابات المضادة المهددة بإستمرار الحرب واستدامتها، عبر التمسك بالحل العسكري وحده لا شريك له، في صمدية خطاب مريض يعكس نفسية القوى المتصارعة بالسلاح. والواضح كان السجال بالخطابات وتعدد اطرافها، حيث شهدنا خطاب قائد الانقلابات المزمن القائد العام غير الشرعي للجيش المختطف، وخطاب نائبه رئيس جناح مليشيا الحركة الشعبية شمال المتحالف مع الحركة الإسلامية المجرمة، وخطاب حاكم إقليم دارفور رئيس مليشيا اكبر حركات محاصصات جوبا الدارفورية، والتي جاءت جميعها خالية من الاهتمام بالمواطن وهمومه اليومية، ولم تقدم حلا لمشاكله الناتجة عن الحرب المصنوعة لتصفية ثورته وإعادة رسم خارطته الإجتماعية والسياسية، عبر هندسة إجتماعية وخطاب كراهية وجرائم مروعة ضد الإنسانية، مع جرائم حرب يندى لها الجبين.
بشرنا الانقلابي المزمن في خطابه وأيده قائد مليشيا الجنجويد كل من موقعه، بعدم وجود مفاوضات وأن الحل العسكري وإستمرار الحرب حتى الإنتصار الحاسم هو السبيل الوحيد لإنهاء الحرب. وتحت نشوة إسترداد عاصمته التي طرد منها لعامين كاملين، وعد الإنقلابي المزمن أنصاره الذين يتشوقون للعودة إلى سلطة كاملة بسحق المليشيا، وضمنيا بإستدامة سلطة الحركة الإسلامية المجرمة واستصحاب المليشيات الحليفة معها إلى حين. فالصدام بين هذه المليشيات والإسلاميين حتمي مستقبلا، وبوادره تستشف من خطاب قائدي المليشيتين الحليفتين للجيش المختطف. فحاكم اقليم دارفور من بورتسودان، يصر على وضع خريطة تبتلع جزءا من الولاية الشمالية ويتمسك بالتوسع حتى يمنع ترتيبات التقسيم التي تتركه وحيدا في دارفور في مواجهة الجنجويد ، ونائب الانقلابي المزمن زعيم المليشيا الأخرى يحدثنا حول عدم وجود برنامج بديل لبرنامج المليشيات لحل مشاكل البلاد، ويؤكد أن الحل تفاوضي في تناقض واضح مع رئيسه عاشق الإنقلابات العسكرية والتدمير. أما قائد مليشيا الجنجويد الإرهابية ومن بعده أخوه القائد الثاني للمليشيا الأسرية القيادة الطفيلية السمة، فبشرانا معا باستمرار وديمومة الحرب، ونقلها إلى المناطق الآمنة من البلاد، حتى يتم تعميم الخراب، وأخذ المواطنين العزل المسالمين، بجريرة الحركة الإسلامية المجرمة وواجهاتها من جنرالات الجيش المختطف.
والناظر لكل ما تقدم، يتضح له اصرار طرفي الحرب الرئيسيين على استمرارها مرحليا لتحقيق مكاسب في الأرض، بالرغم من معرفتهما التامة بإستحالة الإنتصار الحاسم في حرب بدأت مدولة يحكمها توازن الضعف.
فمليشيا الجنجويد الإرهابية، ردت على انسحابها من الخرطوم، بالإستيلاء على لقاوة، والمالحة والراهب، ووضع نفسها في تماس مباشر مع الولاية الشمالية التي أصبحت مكشوفة عسكريا أمامها، مع تهديدها لولاية نهر النيل، كما استمرّت في تهديد مناطق جنوب النيل الأزرق والضغط على بعض مدنها. والجيش المختطف ومليشياته، تركزت عملياتهما في العاصمة بصفة أساسية، واستمرت محاولاتهما زج قبيلة الجموعية في معركة مع المليشيا الإرهابية سيدفع ثمنها حتما المواطن البسيط الذي لا حول له ولا قوة.
ولكن بالرغم من هذا التجييش ورفع السقوف والحديث عن الحسم العسكري، جميع الشواهد تؤكد أن الاتجاه هو اتجاه تحسين الموقف التفاوضي لإنجاز تسوية بين الفريقين المتحاربين ضد المواطن وعلى حساب أمنه واستقراره وتحوله الديمقراطي عبر إنتقال، وتصفية ثورته لمرة وإلى الأبد. ومن هذه الشواهد الجرائم المروعة التي ترتكبها مليشيات الإسلاميين المجرمين في العاصمة بعد استردادها والتي رصدها مقرر حقوق الإنسان الأممي، حيث تقوم هذه المليشيات بتصفية الناشطين السياسيين من لجان المقاومة الذين عملوا في لجان الطوارئ بدم بارد، وكذلك تصفية المواطنين على أساس عرقي لإحداث هندسة إجتماعية تقصي مواطني دارفور وكردفان وتطرد أبناء الغرب من العاصمة، وكل ذلك تحت دعاوى أن الجميع متعاون مع المليشيا الإرهابية التي هربت هذه المليشيات وتركتهم تحت رحمتها لعامين كاملين. والغرض بالتأكيد ليس المحاسبة التي يجب أن تكون قضائية في حال وقوع جرائم، بل تجريف الساحة السياسية توطئة لتمكين الحركة الإسلامية المجرمة مجدداً. وهذا يتضح من خطاب الإنتصار الذي تضمنه بيان زعيم الحركة الإسلامية المجرمة، الذي أعلن فيه فرض حركته على الساحة السياسية بقوة الحرب والسلاح وبدء مرحلة التعمير والإنفتاح على الآخر ، مما يعني أن الإتجاه هو إتجاه تسوية لا إتجاه إستمرار في الحرب، وهذا هو سبب الاستعجال في التجريف حتماً.
بالإضافة لبيان زعيم الإسلاميين المجرمين الذي أعلن إستراتيجية الحركة بعد عودة التمكين، ماقاله نائب الانقلابي المزمن صراحة حول الحل التفاوضي الذي كان يرفضه بمقولته الشهيرة “لا جده ولا جداده”، مع اصرار حاكم دارفور المزعوم على خلق مشكلة حدودية تمنع الإنفصال وتؤشر لاندلاع حرب جديدة لمنع الإنفصال، وإنسحابات المليشيا الإرهابية من الخرطوم التي تعتبر تنفيذا عمليا لإتفاق جدة، وتحضيرات مؤتمر لندن التي تؤكد إصرار المجتمع الدولي على التسوية، وما تسرب في الأسافير من رؤية حكومة الإنقلاب غير الشرعية في خطابها السري للأمين العام للأمم المتحدة حول التسوية إن صح، جميعها يؤكد أن المشهد يتجه نحو تسوية ما لم تتضح معالمها بعد. وربما يكون هذا هو سبب استعجال مليشيا الجنجويد الإرهابية ومحاولتها تحقيق مكاسب على الأرض بعد خسارتها للعاصمة بالإنسحاب، حتى تساوم من مواقع أفضل.
ومفاد كل ذلك، أن الجميع يعمل من أجل تسوية تكرس ننائج الحرب وتسلب المواطنين حقوقهم الطبيعية، وأن التصعيد العسكري والتشدد في الخطاب لا يعني ديمومة الحرب، ودونكم مزاعم قائد المليشيا الإرهابية بأنه لن ينسحب من القصر ولا من الخرطوم ، وإنسحابه بعد ذلك بأيام دون ان يتعرض له الجيش المختطف بطلقة واحدة. والمطلوب هو قبول وقف الحرب ودعم ذلك الوقف للعمليات العسكرية بصفة مستدامة، مع الرفض التام لرسملة الحرب سياسيا ومنع وجود طرفيها في الساحة السياسية، مع الإصرار على محاسبتهما على جميع الجرائم المرتكبة منذ إنقلاب القصر مرورا بفض الإعتصام وانقلاب اكتوبر ٢٠٢١م وإنتهاءا بالحرب البشعة الماثلة. وسبيلنا إلى ذلك إرادة شعبنا الغلابة، الموحدة في جبهة قاعدية واسعة، مصرة على تحقيق أهداف ثورة ديسمبر المجيدة.
وقوموا إلى ثورتكم يرحمكم الله!! .
[email protected]
المصدر: صحيفة الراكوبة