من حركة لكل الديمقراطيين إلى جيل 2030

قدم شباب حزب الأصالة والمعاصرة إلى عموم شابات وشباب وطننا العزيز، مبادرة جديدة تحت مسمى “مبادرة جيل 2030”؛ وهي مبادرة شبابية بامتياز، غايتها مناقشة الشباب للشباب بغية تشجيعهم على التفكير المشترك في همومهم وتحدياتهم المشتركة، من أجل الإسهام بقوة في رسم السياسات العمومية الموجهة إليهم. على اعتبار أن الشباب هم الأكثر معرفة بواقعهم المشخص بطريقة واقعية لديهم.
لقد فكرت الحكومات السابقة في حاضر ومستقبل الشباب وفي آلامهم وآمالهم بمنهجية الثالث المرفوع أي نصبت نفسها دوما في موقع من ينوب عن حضورهم. وهذا المنطق في التفكير لم يعد مجديا في رسم أولويات الشباب ودفعهم اتجاه إدماجهم في الحياة السياسية. لذلك فكر شباب حزب الأصالة والمعاصرة من زاوية الامتداد الفكري للنقاش السياسي الذي كان قد طرح مع مبادرة “حركة لكل الديمقراطيين”، بحيث كانت المبادرة السياسية أنذاك موجهة لجميع الديمقراطيين بغض النظر عن ولاءاتهم وانتماءاتهم السياسية، والهدف كان هو تجاوز فشل النخب في إشراك المواطنيين والمجتمع وتعبئتهما، والتفكير في أولويات المغاربة المرتبطة بالإصلاحات الاقتصادية المتفرعة عن الإصلاحات السياسية.
كذلك الأمر اليوم؛ فشباب حزب الأصالة والمعاصرة جعل من هذه المبادرة موجهة لكل شباب الوطن سواء المنتمي للأحزاب السياسية أو الغير المنتمي، والهدف هو تجاوز هذا الفشل المسجل على مستوى تعبئة الشباب للانخراط في مؤسسات الوساطة الاجتماعية، الأمر الذي يضيع على بلادنا آلاف الفرص من أجل تحقيق التنمية المنشودة.
آن الآوان لتوفير المنصات اللازمة من أجل تعبير الشباب عن وجهات نظرهم والإنصات لتوجيهاتهم وإعمالها في تحديد فلسفة السياسات العمومية.
إن “مبادرة جيل 2030 “ تتوق إلى إعادة الاعتبار للحقل السياسي ببلادنا، وجعله منطلقا لرسم كل الإصلاحات المرتبطة بالسياسات العمومية التي أبانت عن محدوديتها في تحقيق الإدماج الاجتماعي والاقتصادي للشباب.
كانت حركة لكل الديمقراطيين في لقاءاتها التواصلية تتخذ من الرأسمال البشري منطلقا أساسيا داخل المعادلة المجتمعية، فإذا كانت العديد من البلدان راهنت في تنميتها على الثروات الطبيعية، فالحركة اعتبرت أن الرأسمال البشري الذي تتوفر عليه بلادنا هو المنطلق لإعادة التوازن للاقتصاد وخلق الثروة. كذلك اليوم “مبادرة جيل 2030” تراهن على أهمية إدماج الفئة الأكثر حضورا داخل الهرم الديمغرافي الوطني، لكي يكون حضورها في مختلف مناحي الحياة المجتمعية حضورا نوعيا يعكس حضورها الديمغرافي.
مما لاشك فيه أن سنة 2030 تشغل حيزا مهما من الوعي الجمعي لنا كمغاربة، كما أن الأنظار سوف تتوجه إلى بلادنا وسينصت إلينا العالم… وهذه فرصة ثمينة أمامنا من أجل رسم أفق جماعي متميز بالاستناد على القوى الكامنة في الشباب عبر تفجير طاقاتهم وحثهم على الإبداع والابتكار وصناعة الأمل، فنحن في حاجة إلى مبادرات قادرة على ضبط التناقضات وإرجاع الثقة للشباب في ذاته أولا وفي وطنه ومؤسسات بلاده. ينبغي علينا أن نتجاوز ذلك القصور المرتبط بعدم القدرة على إبداع أشكال ومبادرات تنظيمية تساير متطلبات المرحلة التي تتميز بالضبابية وعدم الوضوح بالنسبة لشريحة عريضة من أبناء وطننا، ولعل الأرقام الصادرة عن المندوبية السامية للتخطيط خير دليل على ذلك.
ومن أجل الإسهام في توضيح الرؤية وبناء فهم سليم لمتطلبات المرحلة ينبغي علينا العمل على تجذير الوعي السياسي لدى الشباب بأهمية مشاركته والإدلاء برأيه بطريقة مؤسساتية لها أثر على التأثير في القرارات العمومية بدل البحث عن مساحات للتعبير في الهامش قد تصل بطريقة عفوية وقد لا تصل. إن القرار العمومي بخصوص السياسات العمومية له منافذه وتحكمه مساطر قانونية طيلة مراحل التحضير لتجهيزه قبل المرور لمرحلة التنفيذ، وإن لم يسجل حضور موقف الشباب في مراحل التهييئ، فموضوعيا لا يمكن له أن يأخذ بعين الاعتبار الأولويات وآمال الشباب وحتى إن توفر ذلك الشرط فسوف يكون بطريقة محدودة جدا. لذلك على تلك الشريحة المهمة من الشباب أن تكف عن نهج سياسة وثقافة الكرسي الفارغ لأنهم بذلك يضيعون فرصا ثمينة على أنفسهم وعلى وطنهم. إن هذا التقعيد المبني على فلسفة جديدة قوامها مخاطبة الشباب للشباب تتماشى والرهان المأمول تحقيقه من داخل بلادنا، التي ينبغي أن تتحول إلى مشتل لإنتاج نخب مؤهلة للإسهام على المدى القريب في تنزيل الهندسة الجديدة للسياسات العمومية المنصفة. وبناء عليه فإن مبادرة “جيل 2030” هي أرضية وفرصة للتفكير بجدية في الحسم مع التجارب السابقة في التعاطي مع قضايا الشباب، تلك التجربة التي كانت تفكر وتخطط للشباب خارج إرادة وحضور الشباب، والتي كرست على امتداد العقود السابقة فراغا كبيرا بسبب انسحاب الشباب من المؤسسات الفاعلة والمؤثرة ببلادنا.
إن ما ينبغي البدء منه هو استخلاص الدروس من التجارب السابقة بهدف فحص قوتها ونقاط ضعفها وشروط عملها الداخلية والخارجية والموارد التي وفرتها للعمل مع الشباب، بكل تجرد وموضوعية، بل من زاوية التقييم العلمي الموضوعي لها، لأن ذلك سوف يكون تعبيرا حقيقيا عن مستوى وعينا الجماعي بالأخطاء المرتكبة في أفق تجاوزها خلال المرحلة المقبلة. مثل هذا الجرد نظن أنه سوف يفضي إلى فهم موضوعي وييسر لنا من خلال التفكير الجماعي إمكانية البحث عن المستلزمات القادرة على تحفيز الشباب من أجل المشاركة في تطوير أداء سياساتنا العمومية الموجهة إليه بدل أن يلعب دور المتفرج في العلاقة بما يشرع له وبالتالي يتحول الشباب إلى عبء على نفسه وعلى شريحته.
كما أن الإيمان بضرورة البحث عن الحلول الاستراتيجية يحتم علينا القبول بفكرة أن الخيارات المقترحة من طرف المبادرة تبقى قابلة للتغيير والتعديل في كل حين وليست مبادرة مكتملة، لذلك فمن الواجب أن تتوفر لدينا الشجاعة والاستعداد للمراجعة والتقييم بكل أمانة. أضف الى ذلك، أن خلق مثل هذه الفرص للتفكير الجماعي تساعد على بناء روح العمل الجماعي وتطوير الوعي السياسي لدى الشباب، وبناء ثقافة الالتزام من داخلهم، فمن السهل تطبيق استراتيجية العمل المفكر فيها بشكل جماعي، لما يأخذ القائمون على تنفيذها دورا في عملية بلورتها ويلتزمون بإنجاحها.
إن تطوير النقاش العمومي بخصوص مشاركة الشباب يحتاج إلى مشاركة واسعة لجميع مكونات المجتمع، من خلال العمل على تدبير وقيادة هذا النقاش اتجاه الخروج بأرضية مشتركة تتيح إمكانية ضمان مشاركة الجميع في عملية البناء، لأن ذلك في تقدير المبادرة هو السبيل إلى الزيادة من فرصة بروز أفكار جيدة ومدركات جديدة من شأنها إغناء مسيرة بناء جيل قيادة مرحلة 2030. وبذلك فإننا لا نكون مساهمين فقط في تعزيز الشعور الجماعي بالمسؤولية و بناء ثقافة الالتزام، بل في تقويتهما أيضا.
كما راهنت مبادرة حركة لكل الديمقراطيين على توسيع المشاركة السياسية للعديد من النخب التي كانت ترى أن الشروط والإرادة غير متوفرة داخل الحقل السياسي ببلادنا، تراهن “مبادرة جيل 2030” على توسيع المشاركة السياسية للشباب في إنتاج القرارات المتعلقة بالسياسات العمومية وتضييق الخناق على الفراغ الذي يتركه الشباب حينما ينسحب. وهذا الأمر سيفضي إلى ارتفاع منسوب الوعي والنشاط السياسي لديهم لغاية مواكبة التغيرات الاجتماعية التي تولدها تحولات المجتمع.
إن الغاية المتوخاة من هذه المبادرة هي تعميق النقاش ما بين شباب هذا الوطن حول ابتكار الأدوات الكفيلة بنجاح تجربة ولادة جيل جديد من الغيورين على الفعل العمومي، تلك الولادة التي نريدها إضافة نوعية تضاف في سجل المبادرات الخلاقة ببلادنا. لا نريد لهذه المبادرة أن يتم التعاطي معها من زاوية الحكم المسبق والجاهز بغية التشكيك فيها، أو أن تكون محطة مزايدات فارغة… بل نريد من شباب هذا الوطن العظيم أن يتعامل معها بطريقة تأملية بامتياز ومفكر فيها بروية وهدوء حتى يكون صوت المبادرة مسموع في أعماق المغرب العميق، لكي تروم إشراك أوسع ما أمكن من شباب الوطن حتى يحس الكل بمساهمته قدر المستطاع.
ومن بين الأهداف التي تتغياها هذه المبادرة أيضا، التنقيب عن الكفاءات الشابة التي بإمكانها أن تساهم في تلك الرجة التي نأمل أن تحدثها مبادرة جيل 2030؛ بممارسة سياسية مغايرة وبأسلوب جديد يضع قطيعة مع الانطباع السلبي السائد حول الممارسة السياسية، وخلخلة الفهم المغلوط حول السياسة والفاعل السياسي وتدشين مسيرة المساءلة النقدية للبداهات التي ترسخت عند المواطن نتيجة الاستعمال المشوه للفعل السياسي. ممارسة سياسية تجعل من المؤسسة الحزبية مشتلا لإنتاج القيم النبيلة والنخب القادرة على إبداع سياسات عمومية منتجة وفاعلة.
المصدر: العمق المغربي