اخبار المغرب

معارضة الخارج”.. من البرامج السياسية إلى ميكروفونات السوشل ميديا!

عرف المغرب خلال عهد الملك الحسن الثاني واحدة من أقوى حركات المعارضة السياسية التي وجدت نفسها في الخارج، بعد أن ضاقت بها السبل داخليا. تعددت تياراتها بين من حمل السلاح لإسقاط النظام، ومن سعى لفرض شروطه السياسية عبر النضال الإعلامي والضغط الدولي وسلك طريق المفاوضات… كانت هذه المعارضة منظمة، تمتلك رؤية سياسية واضحة وبرنامجا محددا، وتمثلها توجهات مختلفة من الحركة الاتحادية إلى الفصائل الماركسية اللينينية، وصولا إلى تيارات الإسلام السياسي.

كان الإعلام أداة رئيسية في معارك هذه المعارضة، التي استفادت من منابر الصحافة والإذاعات الأجنبية، ومن علاقاتها مع الأحزاب السياسية والنقابات والحركات اليسارية في أوروبا والمشرق العربي وشمال إفريقيا ، لتمارس ضغطًا سياسيًا وحقوقيًا على الدولة المغربية.

لكن مع بداية عهد الملك محمد السادس، انقلبت المعادلة، كيف ذلك؟ حدث تحول جذري. فقد أدرك عاهل البلاد أن صفحة الماضي يجب أن تُطوى، وأن المغرب لا يمكنه الاستمرار في مناخ مشحون بالعداوة والتوجس بين السلطة ومعارضيها، فكانت عودة أبراهام السرفاتي، المناضل الماركسي الشهير الذي أمضى سنوات في المنفى، نقطة فارقة في إنهاء معارضة الخارج التقليدية.

ثم جاءت هيئة الإنصاف والمصالحة كتتويج لهذا التوجه لتضع حجر الأساس لمغرب المصالحة، حيث تم الاعتراف بالأخطاء الجسيمة لسنوات الجمر والرصاص، وفتحت الدولة صفحة جديدة قائمة على المصالحة المؤسساتية، مما أتاح لمختلف الفاعلين السياسيين الاشتغال داخل المنظومة الوطنية بدلًا من معارضتها من الخارج. وبذلك، أصبح العمل السياسي في المغرب أكثر انفتاحا، ووجدت المعارضة التقليدية نفسها أمام خيارين: إما العودة للعمل داخل الوطن وفق شروط ديمقراطية جديدة، أو الاندثار مع الزمن.

لكن خلال العقد الأخير، ظهرت “معارضة” من نوع جديد في الخارج، لا علاقة لها بتلك التاريخية، تختلف عن تلك التي عرفها مغرب الحسن الثاني. إنها “معارضة السوشل ميديا”، التي لا تملك برنامجا سياسيا ولا رؤية واضحة، تختزل النضال في “الترند” والإثارة بل تعتمد فقط على الميكروفونات وخطاب السب والقذف والتشهير. إنها “معارضة” فردية، تحترف تضليل الرأي العام، وتقديم صورة قاتمة عن المغرب، كما لو كان بلدا بلا مؤسسات ولا حريات ولا احترام لحقوق إنسان بينما الحقائق تشهد بعكس ذلك.

يتحول المتابع لمحتوى هذه “المعارضة” إلى شخص يعيش في واقع افتراضي، يتخيل المغرب وكأنه على شفا الانهيار، وأن مسؤوليه مجرد عصابة نهب، وأن لا شيء إيجابي يحدث في البلاد. إنها معارضة قائمة على العدمية، غير قادرة على تقديم بدائل أو حلول، بل تسعى فقط إلى خلق الفوضى والتشكيك في كل شيء، حتى في المكاسب الهامة والنوعية التي تحققت على المستوى الحقوقي والمؤسساتي.

لا يخفى أن بعض هذه الأصوات أصبحت أدوات في أجندات معادية للمغرب. والأكيد أن “أموال الغاز الجزائري” حاضرة في هذا المشهد، تحاول إذكاء نار العداء والفتنة وصناعة أبواق تسوق السردية العدائية ضد المملكة. لكن المشكلة ليست فقط في الجهات التي تموّل هذه الأصوات، بل في البيئة التي ساهمت في بروزها. فالبعض من هؤلاء ربما وجد أبواب الحوار موصدة، أو تعرض للتغرير به من قبل جهات معادية، أو وقع ضحية تقديرات سياسية غير مبنية، أو إنساق وراء حسابات خاطئة… والسؤال الذي يطرح نفسه في هذا الاطار، كيف نواجه هذه الظاهرة التي اقتحمت بقوة الفضاء الأزرق؟

الدولة بحاجة إلى مقاربة ذكية تجمع بين السياسي والقانوني والإعلامي والحقوقي لمواجهة هذه “المعارضة”، ولكن دون السقوط في أساليبها. لا يمكن مواجهة التشهير بالتشهير، ولا يمكن التصدي للخطاب العدائي بأسلوب مماثل.

على الدولة تطوير آليات تجمع بين الحوار والحزم، وتعيد ربط المغاربة بالوطن بدل الانجرار لمعارك هامشية ولكي لا اقول مستنقعات. فالمغرب الذي استوعب في الماضي معارضين شرسين أمثال الفقيه البصري (وما أدراك ما الفقيه البصري)، قادر على استيعاب الجميع، وإدماحهم ضمن المشروع الوطني، لكن بشروط الوطن، لا بشروطهم. فالوطن أكبر من أي خلاف، وأبوابه تظل مفتوحة لمن أراد العمل بجدية، لا لمن يريد إثارة الضجيج فقط.فلماذا لا يكون الأمر كذلك مع “معارضي السوشل ميديا”؟

على الدولة أن ترفع مستوى النقاش، وتخلق آليات فعالة للحوار وتفتح أفقا نحو المستقبل.

في النهاية، الوطن يجب أن يكون أكبر من خلافاته، وأبوابه يجب أن تبقى مفتوحة لأبنائه، مهما كانت مواقفهم. فمن اختار المعارضة له الحق في ذلك، لكن عليه أن يمارسها وفق الضوابط المهنية والأخلاقية، ومن اختار العودة فليجد الباب مفتوحا. فالمغرب لم ولن يكون بلدا يعاقب أبناءه على آرائهم.

هذه هي القوة الحقيقية لأي نظام سياسي قوي وواثق من نفسه. نظام يعرف أن المغرب أقوى من أن تهزه بودكاسات وتغريدات!

المصدر: العمق المغربي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *