كيف يمكن لواجهة رسمية أن تتحول إلى ستارة مسرح تخفي وراءها مشهدا سياسيا مكتظا بالوعود المؤجلة؟ وأيّ معنى يتخذه الوعد حين يتجسد في هيئة غيمٍ لا يمطر، بل يظل معلقا في الأفق مثل إيماءة غامضة؟ أهو فعل تزييني لتأثيث الفضاء العمومي بخطابات غير قابلة للإنجاز، أم أنه آلية لإدارة الانتظار وإطالة زمن الترقب؟ وهل يكون المسرح السياسي، حين يدار من خلف قناع الدولة، أداة لإقناع المرء بمتعة العرض أكثر من التزامه بنتائج النص؟ ثم أية علاقة تربط بين جمالية المشهد وقسوة الواقع حين يتقاطع الوعد السياسي مع رمزية الغيوم التي قد تمطر… وقد تنقشع بلا أثر؟
حين يبدل الديكور وتبقى المسرحية نفسها
ليست السياسة إدارة للشأن العام، إنها كما يقول صاحبي الذي خبرها أكثر مني، عرض مسرحي طويل الأمد، لا يسدل الستار فيه إلا لتغير الديكورات بينما يبقى الممثلون أنفسهم. الجمهور، أي نحن، يحضر كل العروض من غير دعوة، يجلس على مقاعد بلا أرقام، ويصفق، حتى لو لم يفهم القصة، لأن التصفيق هنا ليس تعبيرا عن الإعجاب، بقدر ما هو تعبير عن البقاء على قيد الاحتمال.
وحين أمازحه قليلا أقول له:
في المشهد الأول، يظهر السياسي مبتسما، ببذلة فاخرة وحذاء يلمع أكثر من برامجه الانتخابية، يلوح بيده كما لو كان يودع سفينة ستغرق. وفي المشهد الثاني، يتحدث عن “خدمة الوطن” بينما تحركاته على الخريطة تشير حصريا إلى مسقط رأسه، حيث تعبد الطرق فجأة، وتبنى القاعات، وتوزع الهدايا، وكأن الوطن كله اختزل في دائرة انتخابية واحدة. أما المشهد الثالث فهو ذروة الحبكة: يبدأ المسؤول بخلط أوراق الدولة مع أوراق الحزب، فلا نعرف هل نحن في اجتماع حكومي أم في مؤتمر حزبي، أم في حفلة عائلية بموسيقى وطنية. وحين يسأله أحد الصحافيين عن هذا الخلط، يبتسم بثقة ويقول: “كلنا أسرة واحدة… نحن والحزب والدولة والخزينة العامة.”
العجيب هو أن الجمهور، الذي يفترض أن يكون الناقد الصارم لهذا العرض، يتحول في النهاية إلى إكسسوار ضروري لإضفاء الواقعية على المشهد؛ يحضر عند الحاجة ليملأ الساحات ويصفق، ثم يعود إلى بيته مع وعود مؤجلة، تشبه تلك الوعود التي يعطيها الأب لطفله لشراء دراجة “عندما تتحسن الظروف”.
وفي الكواليس، هناك ممثلون احتياطيون يتدربون على أدوار البطولة… أبناء الزعيم، أبناء الوزير، أبناء الحزب، أبناء الحظ. السياسة عندنا لا تدار بمنطق الرأي والحجة، وإنما بمنطق الميراث؛ تتداول فيها المناصب كما يتداول الأبناء مفاتيح البيت القديم، غير أن البناء يتهالك كلما انتقلت المفاتيح، فلا يرمم ولا يضاف إليه حجر جديد.
ويستمر العرض، وتطل الوجوه ذاتها على الخشبة كأنها لم تغادرها قط. الفارق الوحيد هو أن الجمهور لم يعد متفرجا بريئا؛ فقد أضحى يحفظ الحوارات عن ظهر قلب، يرددها في داخله قبل أن ينطق بها الممثلون؛ لكنه هذه المرة يضحك، لا لأن المشهد يبعث على الضحك، بل لأن الضحك تحول إلى آخر حيلة ممكنة لابتلاع المرارة دون أن يختنق بها.
غرفة عمليات انتخابية بواجهة حكومية
ليست المكاتب الوزارية عند بعض الساسة أماكن للعمل العام، إنها غرف عمليات انتخابية مكيفة، مزودة بكل ما يلزم من القهوة الفاخرة إلى الطابعة التي تخرج الوعود على ورق صقيل.
الوزير الحزبي، حين يلمح موسم الانتخابات يقترب، يتحول مكتبه إلى منصة إطلاق الصواريخ الدعائية: المشاريع المتعثرة تتحول فجأة إلى إنجازات “غير مسبوقة”، والميزانية العامة تقدم كأنها هدية شخصية منه للشعب، وصورة الزعيم الحزبي تجد مكانها بجانب صورة الملك، لأن البروتوكول في نظره مرن مثل المطاط.
وفي المؤتمرات الصحافية، يختلط الحديث عن “البرنامج الحكومي” بالحديث عن “البرنامج الانتخابي”، حتى تصبح الجملة المفضلة: “نحن في الوزارة، أقصد في الحزب… أقصد في الوطن…”، ثم يضحك الحاضرون معتقدين أن الأمر زلة لسان، بينما هو في الحقيقة زلة وطن.
والمفارقة هي أن أي صحافي يجرؤ على سؤاله عن تضارب الأدوار والمصالح، يحصل على جواب بليغ: “أنا أخدم الوطن من أي موقع… وإذا كان مكتبي الوزاري يطل على صناديق الاقتراع، فهذه مجرد صدفة جغرافية”.
حين يجلس الوزير الحزبي، في مكتبه الوزاري لا يعتبره مؤسسة للدولة، وإنما فرعا فاخرا من مقر حزبه، مع فارق أن القهوة تدفع من ميزانية العموم بدل صندوق الاشتراكات. يضع على مكتبه ملفات القوانين وبجانبها ملفات المرشحين المحتملين، والخريطة التي على الحائط ليست خريطة الوطن، وإنما خريطة الدوائر الانتخابية مع نقط حمراء حول المناطق “القابلة للاختراق” بالصورة والوعود.
الزوار يأتونه تباعا: المقاول الذي يريد صفقة عمومية يبدأ حديثه بعبارة “بالتوفيق في الانتخابات القادمة”، والمواطن الذي جاء بشكوى يخرج بوعود إصلاح وابتسامة، والصحافي الذي جاء يبحث عن معلومة يخرج بورقة دعوة لحضور التجمع الحزبي الكبير؛ حتى المساعدون في المكتب يتغير دورهم في موسم الانتخابات: كاتب المراسلات يتحول إلى كاتب الشعارات، والمكلف بالبروتوكول يصبح مدير الحملة، والسائق يعاد تأهيله ليكون مسؤول الحشد، مع مهارة إضافية في تعليق اللافتات على ضوء القمر.
السياسي الذي وعد بالمطر… ثم ابتل به
المشهد في ساحة بلدية صغيرة: الجماهير تجمعت وهي تلوح بلافتات غاضبة، المطر ينهمر بغزارة، والسماء رمادية كأنها تعكس مزاج الناس. السياسي، الذي كان قبل أشهر يتفاخر بأنه” سيجلب الخير والمطر” عبر مشاريعه الزراعية، يجد نفسه الآن واقفا وسط الطوفان، يتصبب ماء بدل العرق، يرفع يديه محاولا تهدئة الحشد. يبدأ حديثه بصوت مرتجف، لا بسبب البرد وإنما لأن الحقيقة تتسرب من بين كلماته: “أيها المواطنون، المطر الذي ترونه اليوم… هو في الحقيقة إنجاز من إنجازاتنا في وزارة الأمل.”يرفع أحدهم صوته من الخلف: “لكن هذا المطر أغرق الشوارع لأن البنية التحتية مهترئة!” فيرد السياسي بابتسامة متماسكة: “هذه ليست فيضانات، هذه فرصة سياحية جديدة… تجربة البندقية المغربية.” كلما علا الغضب، أخرج السياسي من جيبه مظلة صغيرة عليها شعار حزبه، وكأن المظلة حل شامل لكل الأزمات. يقترب منه أحد الصحفيين ويسأله: “هل تعتبر نفسك مسؤولا عن هذه الكارثة؟” فيرد عليه بهدوء: “بالطبع… مسؤول عن تحويلها إلى نجاح!” وعندما بدأ الحشد بالتفرق، لم يكن ذلك اقتناعا بكلامه، وإنما لأن المطر ازداد غزارة، وكأن السماء نفسها قررت إسكات الخطاب.
بيان رسمي للرأي العام
حرصا من معالي الوزير على مد جسور التواصل مع المواطنين، وتنفيذا لسياسة الانفتاح التي تنتهجها الحكومة، يسرنا إبلاغكم أن مكتب معاليه سيظل مفتوحا طيلة موسم الاستحقاقات الوطنية الكبرى، المعروفة أيضا بالانتخابات، لاستقبال مقترحات المواطنين ومطالبهم، ودراسة إمكانية إدراجها في البرنامج المستقبلي… شريطة أن تتقاطع هذه المطالب مع الرؤية المباركة لحزبنا العريق.
ويؤكد معالي الوزير أن كل الإنجازات التي تحققت خلال هذه الولاية، من تعبيد الطرقات أمام بيت خالته، إلى تدشين المركز الثقافي في قريته، لم تكن إلا عربونا بسيطا لما ينتظر الشعب الكريم إذا ما جدد ثقته في القيادة الحكيمة للحزب، وفي شخص معاليه المتفاني في خدمة الوطن من أي موقع، وبالأخص من موقعه الحالي.
كما يعلن معالي الوزير عن إطلاق حملة “الوزارة في خدمة المواطن المؤيد”، والتي تتضمن:
1. منح الأولوية في معالجة الملفات للمواطنين الذين يرفقون طلباتهم بصورة سيلفي مع شعار الحزب.
2. تنظيم زيارات ميدانية للقرى والبلدات، على أن تكون مرفقة بجلسات تصوير احترافية لمعالي الوزير وهو يتفقد أحوال الناس بإنسانية بالغة وحذاء لامع.
3. إدراج أسماء المؤيدين المخلصين في لائحة” أصدقاء الوزارة” التي تحظى ببطاقات تهنئة خاصة في الأعياد والمواسم الانتخابية.
ويختتم معالي الوزير بيانه قائلا:
” إننا ماضون في مسيرة العطاء، والوزارة ستظل وفية لمبادئها… ومبادئ الحزب، فهما وجهان لعملة واحدة، وهذه العملة صالحة للاستعمال حتى إشعار آخر”.
حرر بالرباط، في يوم مشمس من أيام الديمقراطية المشرقة.
لنتأمل؛ وإلى حديث آخر.
المصدر: هسبريس