اخبار المغرب

مركز اقتصادي: ضغوط مالية تهدد برفع الضرائب وتقليص المستفيدين من الحماية الاجتماعية

كشف تقرير حديث عن عدد من التحديات الكبرى التي تعوق ورش الحماية الاجتماعية، والتي ترتبط أساسًا بضرورة ضمان تمويل مستدام، وهيكلة الاقتصاد غير المهيكل، وضغط التكاليف على ميزانية الدولة، محذرًا من أن استمرار هذا الوضع قد يفرض على الحكومة اتخاذ قرارات صعبة، مثل رفع الضرائب أو تقليص نطاق الدعم.

وأكد التقرير، الذي أعده علي الغنبوري، رئيس مركز الاستشراف الاقتصادي والاجتماعي، أن التكاليف المالية المرتبطة بأوراش الحماية الاجتماعية تفرض ضغطًا متزايدًا على ميزانية الدولة، حيث بلغت مساهمتها في برامج الدعم الاجتماعي المباشر 18.54 مليار درهم، في حين ساهمت بمبلغ 15.51 مليار درهم لدعم نظام التغطية الإجبارية عن المرض، ليصل إجمالي الالتزامات المالية إلى أكثر من 34 مليار درهم.

وأبرز التقرير أن استمرار هذا الضغط المالي في ظل تحديات اقتصادية أخرى، مثل تباطؤ النمو أو تراجع المداخيل الضريبية، قد يجعل من الصعب على الدولة الحفاظ على هذا المستوى من الإنفاق دون المساس بالتوازنات المالية. كما أن الاعتماد الكبير على التمويل العمومي قد يؤدي إلى تقليص الاستثمارات في قطاعات أخرى حيوية، مثل التعليم والبنية التحتية، أو اللجوء إلى الاقتراض، مما قد يرفع من نسبة الدين العمومي.

وأشار إلى أن استمرار هذا الوضع قد يفرض على الحكومة اتخاذ قرارات صعبة، مثل رفع الضرائب أو تقليص نطاق الدعم، وهي إجراءات قد تثير استياءً اجتماعيًا واسعًا. لذلك، أوصى التقرير بضرورة البحث عن حلول بديلة، من بينها تعزيز مساهمة القطاع الخاص، تحسين آليات تحصيل الاشتراكات الاجتماعية، وتطوير نماذج تمويل مبتكرة لضمان استدامة هذه السياسات الاجتماعية.

وأوضح التقرير أن الاستدامة المالية تعدّ واحدة من أكبر العقبات التي تواجه ورش الحماية الاجتماعية، حيث يتطلب نجاحها توفير موارد مالية تتجاوز 53 مليار درهم سنويًا، مضيفًا أن المعطيات الراهنة تشير إلى عجز مالي متفاقم، إذ سجل نظام التغطية الإجبارية عن المرض في سنة 2023 معدل (نفقات/مداخل) بلغ 154%، ما أسفر عن عجز مالي قدره 450 مليون درهم، فيما بلغ المعدل 117% حتى نهاية شتنبر 2024، ما ينذر بعجز جديد بنهاية السنة ما لم تُتخذ تدابير تصحيحية عاجلة.

ولفت التقرير إلى أن أحد أسباب هذا العجز المالي يكمن في ضعف انخراط الفئات المستهدفة في النظام، حيث لم يتجاوز عدد العمال غير الأجراء المسجلين 1.68 مليون شخص، أي نحو 56% من إجمالي الفئات المستهدفة، فيما لم تتعد نسبة تحصيل المساهمات 37%، كما أن أكثر من مليون شخص من العاملين في القطاعين العام والخاص يظلون خارج المنظومة بسبب استفادتهم من تغطية صحية عبر التعاضديات أو شركات التأمين الخاصة، ما يؤدي إلى تشتت مصادر التمويل ويفاقم الضغوط على الميزانية العامة.

وشدد على أن الاقتصاد غير المهيكل يمثل أحد أكبر التحديات التي تعرقل نجاح ورش الحماية الاجتماعية، حيث يشكل أكثر من 30% من الناتج الداخلي الخام، ويشمل نحو 60% من القوى العاملة، موضحًا أن هذا القطاع يمثل عائقًا كبيرًا أمام تعبئة الموارد المالية الضرورية، نظرًا لصعوبة إدماج العاملين فيه ضمن منظومة الاشتراكات الاجتماعية، حيث يفتقر معظمهم إلى عقود عمل رسمية أو دخل ثابت.

كما أشار التقرير إلى أن اتساع رقعة الاقتصاد غير المهيكل يضعف المداخيل الضريبية للدولة، ما يحرم الميزانية العمومية من موارد مالية ضخمة كان يمكن توجيهها لدعم مشاريع الحماية الاجتماعية، وهو ما يؤدي إلى تفاقم العجز المالي ويهدد استمرارية التمويل.

ولفت إلى أن هذا الوضع يخلق أيضًا مشكلة في عدالة توزيع الموارد، حيث يتحمل القطاع المهيكل العبء الأكبر من الضرائب والاشتراكات، بينما تستفيد فئات واسعة من الحماية الاجتماعية دون مساهمة فعلية، مما يخلق خللًا في التوازن المالي للمنظومة.

وأوصى التقرير بضرورة تبني إصلاحات هيكلية لضمان استدامة منظومة الحماية الاجتماعية وتعزيز فعاليتها، مؤكدًا أن تحسين الاستدامة المالية يتطلب تنويع مصادر التمويل، مثل إشراك القطاع الخاص، وإنشاء صناديق استثمارية لدعم التغطية الصحية، إلى جانب إصلاحات تشريعية لتعزيز كفاءة تحصيل الاشتراكات الاجتماعية والحد من التهرب منها.

كما شدد التقرير على أهمية تحسين آليات استهداف المستفيدين من الدعم الاجتماعي المباشر، من خلال تطوير قواعد بيانات دقيقة تعتمد على معايير أكثر واقعية، لضمان توجيه الموارد إلى الفئات الأكثر احتياجًا. وأشار إلى أن بعض معايير الاستحقاق الحالية قد تؤدي إلى استبعاد أسر فقيرة، بينما يستفيد آخرون لا يستوفون شروط الهشاشة الحقيقية، مما يقلل من فعالية الدعم.

وأكد التقرير أن إدماج القطاع غير المهيكل يمثل أولوية قصوى لضمان توسيع قاعدة المساهمين في منظومة الحماية الاجتماعية. واقترح التقرير اعتماد سياسات تحفيزية لتشجيع العاملين في هذا القطاع على التسجيل، مثل تقديم اشتراكات مدعمة أو تسهيلات إدارية، إلى جانب تحسين بيئة الأعمال لتشجيع انتقال الأنشطة غير المهيكلة إلى القطاع الرسمي.

وأوصى التقرير بضرورة الاستثمار في القطاعات ذات القدرة التشغيلية العالية، مثل الصناعة والفلاحة والتكنولوجيا، إلى جانب تشجيع ريادة الأعمال والمشاريع الصغيرة، وذلك لتعزيز قاعدة الاقتصاد المهيكل ورفع الموارد المالية المتاحة لدعم منظومة الحماية الاجتماعية، مما يسهم في تحقيق التوازن بين الأهداف الاقتصادية والاجتماعية للمملكة.

وخلص التقرير إلى أن تحقيق الاستدامة المالية للحماية الاجتماعية مرتبط بشكل مباشر بتحقيق نمو اقتصادي قوي وخلق فرص شغل مستدامة، حيث إن تحسين مستويات التشغيل يساهم في توسيع قاعدة المساهمين وتقليل الاعتماد على الدعم الاجتماعي المباشر.

المصدر: العمق المغربي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *