لا نقبل تعريب قضية فلسطين .. والمغرب بعيد عن صراع الشرق الأوسط

تساءل كثيرون عن “الصّمت الرّسمي” للحركة الأمازيغيّة في ما يخص الحرب الدائرة بمنطقة الشرق الأوسط بين إسرائيل وغزة، وما تلاها من غارات إسرائيليّة متواصلة نسفت المنازل والمستشفيات والمساجد وشرّدت الفلسطينيين وقتلت مئات الأطفال والنساء، إلى درجة ارتقت لتكون “حرباً ضد الحقيقة” في أحد أقنعتها بعد الاستهداف المتواصل للصحافيين وعائلاتهم.
ويبدو أن لإيمازيغن “مبرراتهم”، منها التاريخي والسياسي، الذي يؤطر عملية اتخاذ مسافة من هذه التظاهرات الحاشدة التي تتضامن مع الفلسطينيين، رغم أن الفعاليات الأمازيغية التي تواصلت معها هسبريس لم تنفِ “التضامن المبدئي مع حق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم وتمكينهم من بناء دولتهم المستقلة، وبالتالي إنهاء الاحتلال وإحقاق السلام بكل المنطقة”.
“تعريب القضية”
أحمد عصيد، ناشط أمازيغي، قال إنه “ينبغي رفع اللبس في موضوع التضامن مع القضية الفلسطينية، فالحركة الأمازيغية مشبعة بثقافة المقاومة ورفض جميع أنواع الاحتلال والوصاية، وتاريخ الأمازيغ منذ آلاف السنين هو تاريخ مقاومة للوصاية الأجنبيّة”، مضيفاً أن “من الغلط القول اليوم إن الحركة الأمازيغية لا تتضامن مع الشعب الفلسطيني، لأن الحركة مع الشرعية الدولية في موضوع القضية الفلسطينية ومع حل الدولتين”.
وأكد عصيد، في تصريحه لهسبريس، أن “الحركة الأمازيغية تتحفظ على الخطابات السائدة حول فلسطين، أي على الإيديولوجيات المؤطرة لهذا الموضوع، إذ ترفض الانخراط في خطاب القومية العربية الذي يعتبر فلسطين ‘قضية العرب’؛ كما تتحفظ على خطاب الإسلاميين حول فلسطين وترفضه لأنه يعتبر الموضوع دينيا ويخلط بين اليهود وإسرائيل”، وزاد موضحاً: “الأمازيغ يعتبرون القضيّة الفلسطينية قضيّة سياسية إنسانية وليست لا عربية ولا إسلامية”.
وتابع المتحدث ذاته: “كان هذا هو السبب الذي يجعل الحركة منذ 2002 تتجنب المشاركة في مسيرات فلسطين التي تؤطرها شعارات ‘العدل والإحسان’ واليسار القومي العربي، فمشكلتنا مع الإيديولوجيات التي تقوم بتهريب القضية الفلسطينية وليس مع القضية ذاتها”، كاشفاً “عدم قبول إيمازيغن سماع من يقول ‘خيبر خيبر يا يهود’، لأن هذا استغلال لمسيرة فلسطين من أجل تمرير خطاب الكراهية الدينية لليهود”، وزاد: “كما لا نقبل من يتحدث عن ‘الدم العربي’ الذي يغلي في الرباط تضامناً مع فلسطين، لأن هذا أيضا ركوب على القضية لتمرير خطاب عنصري ضد المكونات الجوهرية للهوية الوطنية”.
واستطرد الناشط الأمازيغي: “نتفق على المبدأ الذي هو رفض الاحتلال، ونتفق على أن ما يحدث في غزة خرق لجميع الاتفاقيات الدولية المتعلقة بحماية المدنيين في حالة المواجهات المسلحة. ومن هذا المنطلق نعتبر ما قامت به ‘حماس’ من استهداف المدنيين وقتلهم وأخذ بعضهم رهائن والتهديد بقتلهم وهم في الأسر أيضا أفعالا إجرامية ولا علاقة لها بالمقاومة، وتعرض كل سكان غزة لعدوان القصف الإسرائيلي الذي لا يراعي أي حدود”.
“إيمازيغن” مع السلام
مصطفى القادري، أستاذ تاريخ المغرب المعاصر بجامعة محمد الخامس بالرباط، قال إن “الذين يتساءَلون لماذا لم يخرج إيمازيغن للتظاهرات التّضامنية لم يبينوا لنا الجهة التي يجب التّضامن معها، هل حماس ضد إسرائيل أو حماس ضد الفلسطينيين أو عباس ضد حماس أو من بالضبط”، مسجلا أن “هذه التظاهرات التي كانت بالرباط كانت مثيرة للعديد من علامات الاستفهام، فكيف يستطيعُ المتظاهرون وضع ألبسة ‘حماس’ وحمل الأسلحة؟”.
وأضاف القادري في تصريح لهسبريس: “هذه التظاهرات وهذا الدعم المتنامي في المغرب اليوم بهذا الشكل لا يبدو أنه يراهن على حلول السلام بقدر ما هو سعي إلى تكريس المزيد من إراقة الدماء في تلك المنطقة”، مردفا: “لهذه الاعتبارات في نظري لا يمكن لإيمازيغن الانخراط في مظاهرات من هذا النوع، رغم أن التّضامن مع فلسطين من باب إيجاد حلّ سلمي لوقف هذه الحرب قائم، وهذا ما تتبنّاه أيضاً العديد من المظاهرات في الغرب”.
وسجل الباحث في الثقافة الأمازيغية أن “الأمازيغ بدورهم يظلون بعيدا عن صراعات تدور بين العرب والعبريين في منطقة بعيدة تسمى الشرق الأوسط”، معتبرا أن “ما يبدو أنه جعل الحركة الأمازيغيّة على مسافة مما يجري هو أن القضية الفلسطينية تم إلباسها رداءات إيديولوجيا هدامة متعلقة بالعروبة والقومية العربية، بشكل صار يزحف حتى على المغرب وأثر بشكل مباشر على الهوية الأمازيغيّة الوطنيّة”.
ولفت أستاذ تاريخ المغرب المعاصر إلى أن “المغرب لم تكن له علاقة تاريخيّة بهذا الصراع بين إسرائيل وفلسطين، ولكن الفكر القومي الناصري ورط العديد من البلدان في نزاع هي بعيدة عنه”، موضحا أن “إيمازيغن من هذا المنطلق كانوا دائماً ضد ‘حماس’ الإسلامية وأيضا ضد الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين اليسارية، التي كانت تقف في صف البوليساريو وتعادي الوحدة الترابية للمغرب”، وزاد: “إيمازيغن رغم ذلك يؤكدون على ضرورة إيجاد كل صيغ حلول السلام”
وختم المتحدث ذاته: “المظاهرات يجبُ أن تكون من أجل وقف الحرب ونزيفها. حماس قامت بما قامت به، ما هو رد الفعل الذي كانت تنتظره؟ حسب أجندتها وحسب أجندة من يسيرها، عن قرب وعن بعد؟ منذ اتفاقيات أوسلو ودخول السلطة الفلسطينية إلى مقاليد الحكم وصلت قضية فلسطين إلى متاهات التجاذبات بين الإخوة، وسالت أنهار من الدماء يؤدي ثمنها العزل، من أجل ماذا؟ لمكاسب؟ لمن؟ التطرف من الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني يخدم من وفي صالح من؟”.
المصدر: هسبريس