في المجتمعات التقليدية، كان “الزبل” جزءا من دورة إنتاج عضوية طبيعية، تعيد الفضلات إلى الأرض، وتحول ما يستهلك إلى مصدر للخصوبة والاستمرار، دون أن تحمله المجتمعات شحنات دلالية سلبية أو مواقف قيمية. كان “الزبل” يرى كمكون من مكونات الحياة اليومية، جزءا من نسق متكامل لا يفصل بين الإنتاج والاستهلاك والنفاية، حيث تدار المواد العضوية ضمن نظام بيئياجتماعي مستقر.

غير أن هذا التصور تغير جذريا مع دخول المجتمعات مرحلة التحديث، خاصة في السياقات الانتقالية التي لم تستكمل بعد مشروعها الحداثي، كما هو الحال في المجتمع المغربي. ففي هذه المرحلة، لم يعد “الزبل” مجرد نفاية مادية تطرح جانبا، بل أصبح بنية رمزية مشحونة بالدلالة الاجتماعية، ترتبط بالوسخ، بالعار، وبالفئات المهمشة. إنه تحول في وظيفة النفاية من دورها العضوي إلى دورها الرمزي، حيث تتحول إلى أداة لتصنيف الأفراد، وتحديد من هو نظيف ومن هو وسِخ، من ينتمي إلى الأعلى ومن يقذف إلى الهوامش.

في هذا السياق، لم يعد “الزبل” يقتصر على المادة المرفوضة، بل صار اختزالا اجتماعيا للفئات الدنيا، وللمهن المحتقرة، وللأماكن المعزولة. إنه يعبر عن منطق اجتماعي يعيد إنتاج الفروقات الطبقية من خلال رمزية الفضلات، ويؤسس لفئات مقصية لا فقط على أساس اقتصادي، بل أيضا على أساس رمزي وثقافي. ومن هنا تبرز أهمية التفكير في “الزبل” كمدخل سوسيولوجي يفتح آفاقا لفهم العلاقة المعقدة بين المادي والرمزي، بين ما يستهلك وما يُقصى، بين النفاية والهوية.

هذا التحول يفرض علينا النظر في كيفيات تسييس الوسخ، وتأريخ مفهوم النفاية، واستكشاف العلاقة البنيوية بين “الزبل” والتصنيف الاجتماعي، حيث لا ينعكس التفاوت الطبقي فقط في تملك الثروة، بل أيضا فيمن يسمح له بأن يكون مرئيا، ومن يدفع إلى الهامش القذر. فـ”الزبل”، في هذا المنظور، ليس مجرد مادة، بل لغة اجتماعية تنطق بتفاوتات خفية، ومؤشر على منطق رمزي أقوى من أن يرى بالعين المجردة.

الزبل كنظام مادي للتدبير والإقصاء المجالي

يتسم تدبير النفايات في المغرب بـ اختلالات مجالية صارخة تكشف عن عمق التفاوتات بين المركز والهامش، وبين الفضاءات الحضرية المصنفة والأخرى المهمشة. ففي الوقت الذي تخصص فيه للمدن الكبرى شركات تدبير مفوض، تجهز بإمكانات تقنية ومادية متقدمة، تترك الضواحي، والأحياء الشعبية، والمناطق القروية لتدبر أمرها عبر وسائل بدائية، أو عبر مجهودات السكان الذاتية، وهو ما يعكس منطقا نيوليبراليا في التوزيع غير العادل للخدمات، حيث تصبح النظافة امتيازا طبقيا لا حقا مواطنيا.

هذا التوزيع غير المتوازن يكرس ما يمكن تسميته بـالتمييز البيئي، أي أن النفايات لا تجمع فقط باعتبارها مسألة تقنية، بل تنقل رمزيا وماديا من المركز إلى الهامش، حيث تتحول بعض الفضاءات إلى مطارح بمدن أو جماعات قروية إلى مواقع استيعاب للقذارة الجماعية، لا باعتبارها أماكن طمر فحسب، بل بوصفها هوامش تحمل النفايات بوصفها عبئا طبقيا رمزيا.

الهامش كحاوية رمزية للمركز:

لا يقتصر الأمر على نقل الأزبال، بل يتعداه إلى نقل عبء الوسخ الاجتماعي إلى الفضاءات غير المصنفة، مما يجعل من الهامش ليس فقط مطمرا ماديا، بل أيضا مكبا للتمثلات السلبية، حيث يتم وصم ساكنته بالاتساخ، والعشوائية، وانعدام الذوق، واللاعقلانية. وهنا تشتغل آليات الوصم الحضري كما وصفها إرفينغ غوفمان، حيث ينتج النظام الرمزي داخل المدينة تراتبية مكانية للكرامة أو للانحطاط.كما يظهر هذا المنطق الحضري كيف أن العمران المغربي يحمل بنية طبقية مضمرة، تجعل من النظافة سلعة مرتبطة بالقدرة على الدفع، وليس حقا للجميع. فالساكن في حي راق يستهلك النظافة، بينما الساكن في حي مهمش يستهلك القذارة، ويعيش قرب مطرح، ويستنشق النفايات المحروقة، وينظر إليه على أنه هو نفسه زبل الحاضرة.
وفقا لـديفيد هارفي (David Harvey)، فإن الفضاء الحضري ليس محايدا، بل يتم إنتاجه عبر علاقات القوة، حيث توظف الدولة والشركات آليات تدبيرية لتوجيه النفايات والأعباء نحو الفضاءات الأقل قدرة على المقاومة. وهذا ما يسميه بـعدالة المكان. ويبرز هنري لوفيفر (Henri Lefebvre) في تحليله للفضاء الاجتماعي أن المدينة تنتج عبر ديناميات اقتصادية وسياسية تخلق مناطق مرئية، ومناطق مقموعة، تحمل بالوظائف القذرة لتخليص المركز من عبء التناقض.أما في السياق المغربي، فيمكن استحضار كتابات إدريس بنسعيد حول الهامش الحضري، الذي يرى فيه فضاء مركبا تتكاثف فيه اللامساواة، التمثلات السلبية، والتدبير اللاعادل.

إن تدبير النفايات في المغرب لا يعكس فقط قدرة الدولة على إدارة المجال البيئي، بل يكشف أيضا عن هندسة اجتماعية طبقية للمدينة، حيث تفرغ الفضاءات المركزية من الأوساخ لتطمر في هوامش تشيأ سكانها وتحمل قذارة لا تخصهم، لا فقط ماديا بل رمزيا وهوياتيا. وهكذا، ينتج الزبل كموضوع سوسيولوجي ومجالي معا، لا كفضلة ترمى فحسب، بل كـأداة لترتيب الحقول الاجتماعية والمجالية.

اقتصاد الزبل والبوعارة: إنتاج الثروة وسط الإهانة

هذا النص يضيء بشكل بارز على إحدى المفارقات السوسيولوجية العميقة في المجتمع المغربي: مفارقة منظف المجتمع المنبوذ من المجتمع. إليك توسعة وتحليلا نظريا لهذا المقطع، مع دعم مفاهيمي يعزز المعنى السوسيولوجي، ويوسع دائرته من الاقتصاد غير المهيكل إلى البنية الرمزية للاعتراف. ينتج قطاع النفايات في المغرب اقتصادًا غير مهيكل يحقق أرباحا متصاعدة من خلال إعادة تدوير المواد المستعملة (البلاستيك، النحاس، الورق المقوى، الزجاج…)، ومع ذلك، يبقى آلاف العاملين فيه، خاصة ما يعرف بـ”البوعارة”، على هامش الاعتراف القانوني والاجتماعي، يشتغلون دون أي شكل من أشكال التغطية الصحية، أو التأمين ضد المخاطر، أو الإنصاف في توزيع القيمة. وهؤلاء لا يمثلون مجرد هامش اقتصادي، بل يشكلون طبقة اجتماعية غير مرئية، يشتغل أفرادها في ظروف مهينة، تلصق بهم أوصاف تحقيرية، وتسحب منهم آليات الكرامة.

تتمثل المفارقة الصارخة هنا في أن هؤلاء العمال يطهرون المدينة من قذاراتها، لكنهم يعاملون باعتبارهم هم أنفسهم قذارة اجتماعية. فـ”البوعار” لا ينظر إليه كفاعل بيئي، بل كجسم موسخ، غير حضاري، دخيل على المدينة الحديثة. وتعمل هذه النظرة على فصل العمل عن الاعتراف، وعلى شيطنة الجسد العامل باسم الطهارة الجماعية، وهي مفارقة تؤسس لما يمكن تسميته بـهندسة اجتماعية للنجاسة، حيث يتم الطرد الرمزي للعامل رغم نفعه العام.

* د. هشام بوقشوش / باحث في علم الاجتماع

المصدر: العمق المغربي

شاركها.