انطلقت، مساء الجمعة، بقصر المؤتمرات بمراكش فعاليات الدورة الثانية والعشرين من المهرجان الدولي للفيلم، الذي يُنظم خلال الفترة الممتدة من 28 نونبر إلى 6 دجنبر المقبل، بحضور وزير الشباب والثقافة والتواصل محمد مهدي بنسعيد، إلى جانب نخبة من نجوم السينما من المغرب والعالم.
وشهد حفل الافتتاح تكريم الممثل المصري حسين فهمي، تقديرا لمساره الفني الغني الذي أسهم في إثراء الخزانة السينمائية المصرية والعربية بعشرات الأعمال البارزة، حيث تسلم درع التكريم من زميلته الممثلة المصرية يسرا، موجها شكره لإدارة المهرجان وللمملكة المغربية على هذا الاحتفاء.
واعتبر الممثل حسين فهمي، في كلمته، أن حصوله على هذا التكريم في مدينة مراكش “شرف كبير” بالنسبة له، معبرا عن امتنانه للملك محمد السادس على رعايته للمهرجان، وللأمير مولاي رشيد، رئيس مؤسسة المهرجان، مشيرا إلى أن لديه مكانة خاصة وأنه حضر دورته الأولى.
واستحضر حسين فهمي ذكرياته مع مراكش، مؤكدا أنه سبق أن صور في ربوعها فيلمه الشهير مع نجلاء فتحي “دمي ودموعي وابتسامتي” في بداية السبعينات، وهي تجربة قال إنها ما تزال راسخة في ذاكرته.
كما أشاد حسين فهمي، بالسينما المغربية، مشيرا إلى أنها “كانت دائما لها بريقها وسحرها”، وأنه تابع أعمالا كثيرة لأصدقائه من صناع السينما بالمغرب، مضيفا: “شرف لي أن أكرم اليوم بين أسماء كبيرة، وبحضور مجموعة من السينمائيين من مختلف أنحاء العالم”.
يشار إلى أن المسابقة الرسمية للمهرجان الدولي للفيلم بمراكش تعيش هذا العام هيمنة غير مسبوقة للأفلام ذات البعد السياسي، حيث يتجه الجزء الأكبر من الأعمال المتنافسة نحو مساءلة الذاكرة والسلطة والصراعات الاجتماعية، في انعكاس واضح لتحول نظرة الجيل الجديد من المخرجين إلى السينما باعتبارها أداة للكشف والمواجهة.
وبينما تفرض القضايا السياسية نفسها داخل المسابقة الرسمية، تسجل القضية الفلسطينية حضورا لافتا في الفقرات الموازية والعروض الاحتفالية، ما يمنح دورة 2025 طابعا نضاليا يجعل من الشاشة الكبرى مساحة مقاومة بقدر ما هي مساحة إبداع.
ومن بين أبرز هذه الأعمال، يبرز فيلم “خلف أشجار النخيل” للمخرجة المغربية مريم بن مبارك، الذي يقدم معالجة عميقة لعلاقات السلطة والطبقات الموروثة من الماضي الاستعماري، في قالب إثارة نفسية مشوق، إذ تظهر من خلاله بن مبارك قدرة مميزة على تحويل قضايا معقدة إلى دراما مشحونة بالتوتر والأسئلة، الأمر الذي وضع الفيلم في صدارة الأعمال السياسية في هذه الدورة.
كما يقدم المصور الأسترالي جيمس روبنسون فيلم “الضوء الأول” في عرضه العالمي الأول، وهو دراما أخلاقية بصرية تتتبع راهبة فلبينية تهتز قناعاتها أمام استفحال الفساد، حيث يعالج الفيلم علاقة الفرد بالسلطة، وكيف يتشكل الوعي الأخلاقي وسط بيئات مضطربة سياسيا واجتماعيا.
وتعود أسئلة الذاكرة السياسية بقوة عبر أفلام تتبنى أسلوب السيرة الذاتية أو استعادة اللحظات المفصلية في تاريخ المجتمعات، فالمخرج التايواني شي هان تساو يعود بفيلمه “قبل يوم مشرق” إلى أجواء التوتر العسكري الذي عاشته تايوان عام 1996، مستعيدا معاناة جيل كامل عاش تحت تهديد الحرب.
أما المخرج أكينولا ديفيز جونيور، فيقدم في فيلم “ظل والدي” سردا إنسانيا يتقاطع فيه السياسي والعائلي، من خلال متابعة مسار أب وأبنائه خلال الأزمة الانتخابية التي شهدتها نيجيريا عام 1993.
وفي السياق نفسه، يأتي فيلم “المغسلة” لزامو مخوانازي، الذي يرصد أحلام شاب جنوب إفريقي في ظل نظام الميز العنصري، ليعيد طرح أسئلة الهوية والعدالة، ويكشف هشاشة الطموح الفردي عندما يصطدم بجدار السياسة.
ولم تغب السينما الوثائقية عن هذا المسار التحليلي، إذ تقدم المخرجتان فلادلينا ساندو وجيهان فيلمين مؤثرين عاطفيا هما “ذاكرة” و“بابا والقذافي”، حيث تعيدان بناء حكايات طفولتهما في الشيشان وليبيا، عبر استحضار ذاكرة شخصية تتشابك مع صدمات تاريخية تركت أثرها على أجيال كاملة.
كما يواصل المخرجان سيو تان في فيلم “أمويبا” وعمران بيريتا في “إيش” معالجة قصص المراهقة، لكن في إطار سياسي يتشكل فيه وعي الشباب في لحظات التحولات المجتمعية، الأول في سنغافورة والثاني في ضواحي لندن، وكلاهما يتناول الصحوة السياسية بأسلوب إنساني.
وإلى جانب الطابع السياسي الطاغي على المسابقة الرسمية، تسجل القضية الفلسطينية حضورا لافتا في برمجة هذه الدورة، بما يعكس التزاما فنيا وإنسانيا تجاه أحد أكثر الملفات حساسية في الوجدان العربي والعالمي.
ففي فقرة “آفاق”، يعرض فيلم “كان يا ما كان في غزة” للمخرجين التوأمين طرزان وعرب ناصر، وهو عمل يغوص في يوميات الفلسطيني تحت الاحتلال، بينما توقع كوثر بن هنية فيلم “صوت هند رجب” الذي يروي مأساة الطفلة الفلسطينية هند رجب، البالغة من العمر خمس سنوات، والتي قتلت مع ستة من أقاربها في قصف استهدف سيارتهم جنوب غرب مدينة غزة في 29 يناير 2024.
كما يقدم المهرجان ضمن العروض الاحتفالية فيلم “فلسطين 36” للمخرجة آن ماري جاسر، وهو ميلودراما تاريخية تستعيد لحظة مفصلية في حياة الشعب الفلسطيني، بمشاركة مجموعة من أهم نجوم العالم العربي.
المصدر: العمق المغربي
