اخبار المغرب

الغنبوري: الدعم الحكومي يفاقم ضغوط المالية ولن يحل أزمة الغلاء بالمغرب (حوار)

أكد المحلل الاقتصادي، علي الغنبوري، أن ارتفاع الأسعار في الأسواق المغربية يعود إلى عدة عوامل هيكلية تتجاوز تأثير الدعم الحكومي، من أبرز هذه العوامل، ارتفاع تكاليف النقل الدولي بفعل الزيادة المستمرة في أسعار المحروقات، فضلًا عن تأثير الأزمات العالمية على سلاسل الإمداد.

واعتبر الغنبوري، ضمن حوار مع جريدة “العمق”، أن المضاربات داخل الأسواق المحلية تلعب دورا كبيرا في رفع الأسعار، إذ تستغل بعض الجهات الفرص لاحتكار السلع ورفع أثمانها خلال فترات معينة، خاصة في المناسبات الدينية أو عند ارتفاع الطلب. وأوضح أن هذه الممارسات تتطلب تدخلًا حكوميًا لضبط السوق وضمان منافسة عادلة.

وبشأن تأثير الدعم على الاقتصاد، أوضح الغنبوري أن استمرار تقديم الدعم دون تبني إصلاحات اقتصادية جذرية قد يفاقم التبعية الاقتصادية، لافتا إلى أن الحل لا يكمن في إلغائه بشكل مفاجئ، بل في اعتماد استراتيجية مزدوجة تقوم على دعم مرحلي ومدروس، مع تعزيز الإنتاج المحلي.

أما فيما يخص تأثير الجفاف على الأمن الغذائي، فقد أوضح الغنبوري أن تراجع نسبة التساقطات المطرية يقلل الموارد المائية المتاحة للري، مما يؤدي إلى انخفاض إنتاج الحبوب والخضروات والفواكه، وبالتالي ارتفاع أسعار المواد الغذائية.

وفي ما يتعلق بتوقعات الأسعار خلال شهر رمضان، رجح الغنبوري أن تشهد الأسواق ارتفاعا ملحوظا في أسعار المواد الغذائية نتيجة زيادة الطلب، مسجلا أهمية اتخاذ تدابير استباقية، مثل تعزيز المراقبة الصارمة للأسواق لمنع الاحتكار، وضمان توافر المخزون الكافي من المواد الأساسية، إلى جانب إطلاق حملات توعية لترشيد الاستهلاك والتقليل من الهدر الغذائي.

وفيما يلي نص الحوار كاملا:

ما أسباب استمرار  الغلاء بالأسواق المغربية رغم إعفاء المستوردين من أداء الرسوم الجمركية؟

رغم الدعم الحكومي المقدم للمواد الأساسية المستوردة، فإن ارتفاع الأسعار لا يزال مستمرا في الأسواق المغربية بسبب مجموعة من العوامل الهيكلية والاقتصادية التي تفوق قدرة الدعم الحكومي على التأثير الفعال في الأسعار.

أولا، من أهم الأسباب التي تساهم في استمرار ارتفاع الأسعار هو ارتفاع تكاليف النقل الدولي، فمع الارتفاع المستمر في أسعار المحروقات، سواء على الصعيد الدولي أو بسبب الأزمات العالمية مثل أزمة سلاسل الإمداد، تصبح تكلفة نقل السلع المستوردة إلى المغرب أعلى، مما ينعكس بشكل مباشر على الأسعار النهائية للمنتجات، وهذه التكلفة الإضافية لا تغطيها السياسات الحكومية بشكل كامل، مما يؤدي إلى استمرار ارتفاع الأسعار رغم الدعم.

ثانيا، التقلبات في أسعار الصرف لها تأثير كبير على ارتفاع أسعار المنتجات المستوردة، فعند تراجع قيمة الدرهم مقابل العملات الأجنبية، يصبح استيراد المواد الغذائية والسلع الأساسية أكثر تكلفة، وهو ما ينعكس على أسعار البيع في السوق المحلية، وبالتالي فإن الدعم الحكومي للمنتجات المستوردة قد يخفف من حدة هذه الزيادة، لكنه لا يستطيع مواجهة تقلبات سعر الصرف التي تتغير باستمرار.

ثالثا، المضاربات داخل الأسواق المحلية فهي عامل آخر يساهم في زيادة الأسعار، إذ تتعرض الأسواق لممارسات احتكارية واضحة تقود بعض التجار إلى تخزين السلع بهدف رفع الأسعار أثناء فترات معينة من السنة، خاصة في المناسبات الدينية أو خلال فترات الطلب المرتفع.

وأخيرا، إن ارتفاع تكاليف الإنتاج الداخلي يشكل تحديا آخر في السيطرة على الأسعار، فزيادة تكلفة المواد الخام والطاقة واليد العاملة في القطاع المحلي، تؤدي إلى زيادة في تكاليف الإنتاج، وهو ما ينعكس في زيادة أسعار السلع المحلية التي تؤثر بشكل غير مباشر على الأسعار بشكل عام.

بالتالي، يمكن القول إن الدعم الحكومي، رغم أهميته في التخفيف من آثار التضخم، يظل إجراء محدود التأثير في مواجهة هذه العوامل الهيكلية والاقتصادية المتشابكة التي تواصل دفع الأسعار نحو الارتفاع.

هل الدعم غير كاف أم أن المشكلة أعمق؟

يمكن القول إن الدعم، رغم أهميته في التخفيف من حدة ارتفاع الأسعار، يظل إجراء ظرفيا قد لا يكون كافيا أمام حجم التضخم وتداعياته المتفاقمة، ومع ذلك، فإن المشكلة أكثر تعقيدا من مجرد كفاية الدعم من عدمه، فهي تمتد إلى اختلالات هيكلية في الاقتصاد، مثل ضعف الإنتاج المحلي، وارتفاع التكاليف اللوجستية، وتقلبات الأسواق العالمية، إضافة إلى الممارسات الاحتكارية التي تؤثر على الأسعار بشكل مباشر.

الاعتماد فقط على الدعم دون إصلاحات اقتصادية جذرية يجعله أشبه بحل مؤقت لا يعالج الأسباب العميقة للمشكلة، بل قد يؤدي إلى تفاقم التبعية الاقتصادية وزيادة الضغط على المالية العامة، لذلك ينبغي أن تتوجه السياسات الاقتصادية نحو تعزيز الإنتاج الوطني، وضبط آليات السوق، وتحفيز الاستثمار في القطاعات الحيوية، بدلا من الاكتفاء بحلول ظرفية قد لا تصمد أمام التحديات المستقبلية.

هل الدعم حل أم تعميق للتبعية الاقتصادية؟

على المدى الطويل، يطرح استمرار دعم المنتجات المستوردة إشكالية كبرى تتعلق بمدى قدرة الاقتصاد الوطني على تحقيق الاكتفاء الذاتي وتقليل تبعيته للأسواق الخارجية، فبينما يساهم الدعم في التخفيف من أعباء ارتفاع الأسعار على المواطنين، فإنه قد يتحول إلى عائق يمنع تطوير الإنتاج المحلي إذا لم يرافق بسياسات اقتصادية فعالة.

الحل لا يكمن في إلغاء الدعم بشكل مفاجئ، بل في تبني استراتيجية مزدوجة، دعم مرحلي ومدروس للمواد الأساسية لضمان استقرار القدرة الشرائية، مع العمل على تحفيز الإنتاج المحلي، وتشجيع الاستثمار في القطاعات الحيوية، وتعزيز سلاسل التوريد الوطنية، وبهذه الطريقة، يمكن تحويل الأزمة إلى فرصة حقيقية لبناء اقتصاد أكثر مناعة واستقلالية، وتقليل الارتهان الدائم بالأسواق الخارجية.

بناء على ما سبق ما هي العلاقة بين التضخم وارتفاع تكاليف الإنتاج وتأثيرها على القدرة الشرائية؟

التضخم يؤدي إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج في القطاعات الحيوية، مثل الفلاحة والصناعة الغذائية، نتيجة لزيادة أسعار المواد الأولية، كـ الطاقة والنقل، مما ينعكس بشكل مباشر على أسعار السلع الأساسية ويضعف القدرة الشرائية للمواطنين، خصوصا الفئات الهشة، ولمواجهة هذه التحديات يصبح من الضروري اعتماد سياسات فعالة لدعم الإنتاج المحلي، من خلال تحفيز الاستثمار في التقنيات الفلاحية الحديثة لرفع الإنتاجية، تخفيف الأعباء الضريبية والجمركية عن المنتجين للحد من تكاليف الإنتاج، وتعزيز رقابة الأسواق لضبط سلاسل التوريد والحد من المضاربة والاحتكار، مما يساهم في استقرار الأسعار وحماية القدرة الشرائية للمواطن.

مع تزايد حدة الجفاف وتداعياته على القطاع الفلاحي، إلى أي مدى يمكن أن يهدد ذلك استقرار الأمن الغذائي في المغرب، وما هي الخطط العاجلة التي يجب أن تتخذها الحكومة لتفادي أزمة غذائية محتملة؟

الجفاف أحد أكبر التحديات التي تواجه الأمن الغذائي في المغرب، حيث يؤثر بشكل مباشر على الإنتاج الزراعي ويزيد من تبعية السوق المحلية للاستيراد، ومع تراجع نسبة التساقطات المطرية تقل الموارد المائية المتاحة للري، مما يؤدي إلى انخفاض إنتاج الحبوب والخضروات والفواكه، وهي مكونات أساسية في النظام الغذائي المغربي، ما ينعكس على ارتفاع أسعار المواد الغذائية، ويضعف القدرة الشرائية للمواطنين، خاصة الفئات الأكثر هشاشة.

إضافة إلى ذلك، يؤدي نقص المياه إلى تراجع مساحات الرعي الطبيعي، مما يؤثر سلبا على قطاع تربية المواشي، حيث يواجه المربون صعوبة في توفير الأعلاف، مما يؤدي إلى ارتفاع أسعار اللحوم ومشتقات الحليب، كما أن انخفاض الإنتاج الفلاحي يدفع المغرب إلى زيادة الاعتماد على الاستيراد، مما يجعله عرضة لتقلبات الأسواق العالمية، سواء من حيث الأسعار أو توفر المواد الأساسية.

الجفاف لا يؤثر فقط على الإنتاج الغذائي، بل يمتد تأثيره إلى الاقتصاد الوطني، حيث يتسبب في خسائر كبيرة في القطاع الفلاحي الذي يعد مصدر رزق لملايين المغاربة كما يؤدي إلى تقلص فرص العمل الموسمية في المجال الفلاحي ، مما يزيد من الضغوط الاجتماعية والاقتصادية.

في ظل هذه المعطيات، يصبح التعامل مع الجفاف ضرورة ملحة لضمان استقرار الأمن الغذائي في المغرب، وتبقى الحلول الاستراتيجية، مثل تحلية المياه، تحسين تقنيات الري، ودعم الفلاحين، عوامل أساسية للتخفيف من تأثير هذه الظاهرة الطبيعية على الغذاء والاقتصاد الوطني.

في ظل الوضع الراهن ما هو تصوركم للأسعار خلال شهر رمضان، وأي تدابير يجب اتخاذها لضمان تيسير القدرة الشرائية للمواطنين في هذا الشهر الفضيل؟

من المتوقع أن تشهد أسعار المواد الغذائية خلال شهر رمضان ارتفاعا ملحوظا نتيجة زيادة الطلب على المنتجات الأساسية مثل اللحوم، الحبوب، والخضر، وهذا الارتفاع المتوقع يضع ضغوطا كبيرة على القدرة الشرائية للمواطنين، مما يستدعي اتخاذ مجموعة من التدابير الفعالة لضمان استقرار الأسواق وتحقيق توازن بين العرض والطلب.

أولا، من الضروري تعزيز المراقبة الصارمة للأسواق للحد من أي ممارسات احتكارية أو مضاربات قد تؤدي إلى ارتفاع غير مبرر للأسعار، حيث تتطلب هذه المراقبة تعاونا بين مختلف الهيئات الرقابية المحلية والجهوية، وذلك لضمان تنفيذ إجراءات قانونية صارمة ضد المخالفين.

ثانيا، يجب أن تقوم الحكومة بدعم مخزون المواد الأساسية من خلال استيراد كميات كافية قبل حلول رمضان، وذلك لتفادي أي نقص محتمل في الأسواق، ويتمثل هذا التدبير في ضمان وصول السلع إلى الأسواق بشكل متوازن خلال الشهر الفضيل، مما يساهم في الحد من الندرة التي قد تحدث نتيجة للإقبال الكبير على بعض المواد الغذائية.

ثالثا، تكتسب حملات التوعية بأهمية الاستهلاك الرشيد أهمية كبيرة في هذه الفترة، حيث يتمثل الهدف من هذه الحملات في تشجيع المواطنين على تبني سلوكيات استهلاكية أكثر وعيا وتوفيرا، من خلال التركيز على ضرورة تجنب التبذير في المأكولات والمشروبات، ويمكن تقليص الهدر الغذائي الذي يحدث عادة في رمضان.

وأخيرا، تتطلب هذه المرحلة تعزيز التعاون بين جميع الجهات الفاعلة في سوق المواد الغذائية، بما في ذلك المنتجين، والموزعين، والمستهلكين، وذلك من خلال بناء شراكات بين القطاعين العام والخاص لتحقيق تنسيق أفضل في ما يخص تزويد الأسواق وضمان استمرارية الإمدادات الغذائية طوال الشهر الفضيل،كما أن تعزيز الشفافية في العمليات التجارية سيحفز الثقة بين جميع الأطراف المعنية.

المصدر: العمق المغربي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *