تمهيد :
إن من ذكاء و مكر الأوروبيين و شطارتهم، أن قاموا بتوظيف العديد من الرموز الدينية والثقافية، و أحسنوا استغلالها في الميدان السياحي و الاقتصادي. و إليكم بعض الأمثلة باختصار شديد :_ ( برج إيفل ) من مجرد قطع حديدية لحمت، إلى معلمة سياحية عالمية يحج إليه الملايين، لأخذ صور مع هذه الخردة الحديدية الصدئة _ ( بابا نويل ) مع شجرة الأرز خرافة تدر الملايير في احتفالات راس السنة الميلادية _ الشخصية الكرتونية المشهورة عالمياً “ميكي ماوس”، والتي و ظفها الأمريكان بذكاء، حيث أصبحت رمزا للمنتجعات السياحية ( والت ديزني ) العالمية، يلتقط معها ملايين المعجبين من الأطفال صورا تذكارية، وهذا التوظيف لمثل هذه الشخصيات الكرتونية، مثل الفأرة “ميكي” و أخواتها جنت منه أمريكا ملايين الدولارات…إذن لماذا تم تجاهل رمز الماء عند المغاربة “الݣراب “، ولم يتم توظيفه في هذه التظاهرة العالمية..؟ أليس أهلا لذلك..؟ فهو على الأقل حي يرزق، وأفضل من الخرافة المسماة ( بابا نويل)، ومن الفأرة “ميكي”، ثم لماذا لا تكون بصمة المغرب حاضرة لأنه بلد الإسلام، وذلك عند طبع الملصق الإشهاري لمؤتمر الماء العالمي ونضع هذه الآية : ( وجعلنا من الماء كل شيء حي )..!! فعلا يعجبني كبار المسؤولين في وضع رابطة العنق، بشكل أنيق والتحدث لوسائل الإعلام بكلام فارغ..إن أكبر عدو للمغرب هو بلادة بعض مسؤوليه…!! أنا لا أقصد في هذا المقال الوزراء المتحزبين فقط، بل أغلب المسؤولين في الدولة لأن البلادة شاملة، يجب صياغة منظومة تعليمية جديدة، يكون فيها حب الوطن و الاعتزاز بالهوية و الثرات المغربي أولوية، والقطع مع أسلوب تقديس ثرات الغرب و تمجيد فلسفته…
_ تكريم”الݣراب ” بوسام من درجة فارس :
بمناسبة احتضان مراكش البهجة، للمؤتمر العالمي للماء أحببت أن أذكر المؤتمرين الأجانب، وكذا بعض المغاربة بالسيد”الݣراب” المحترم، كشخص له علاقة تاريخية متينة بالماء منذ القدم، و أنني قررت ترشيح هذه الشخصية لنيل شرف التكريم، إلى جانب المكرمين في مؤتمر الماء العالمي، في رأيي يستحق وساما من درجة الصبر الذهبي، ربما قد يسخر البعض و يضحك من هذا الترشيح، ويعتبر ذلك مجرد مزحة أو من الطرائف و النكت المراكشية، في الحقيقة لا هذا ولا ذاك إن الأمر يا سادة جد، إن من يعتبر “الترشيح ” نكتة فهو على كل حال معذور، لأننا في بلاد تسود فيها العقلية الطبقية، تماماً كما في المجتمع اليوناني القديم أو الهند حاليا، رغم أن الدستور الهندي لسنة 1950 حاول إلغاء التمييز الطبقي، لكنه في الواقع فشل فلا زالت هناك طبقة “المنبوذين”، وهذه الطبقات الدونية على العموم لها حرف خاصة بها، الآن يمكن فهم خلفية المسؤولين عن تنظيم مؤتمر الماء، وكيف تم تهميش من له علاقة مباشرة بالماء….
_ ” الݣراب ” سلطان الماء الحلال..!!
لقد قلت الماء الحلال تمييزا له عن الحرام، حيث ظهر في السنين الأخيرة نوع من الخمارات ( الشعبية)، تبيع مشروب” الماحيا ” المسكر وهي خمرة اليهود، ويطلق على بائعيها مصطلح ( الݣرابة ) و المفرد ( ݣراب) ، أظن أن الإشكال قد زال و لكم الآن بعض المعلومات عن مهنة الݣراب، يطلق عليه كذلك لقب” لمين” أي الأمين وهذا لقب تاريخي اكتسبه عن جدارة، يحكى أنه عند تأسيس مدينة مراكش على يد المرابطين، كانت مياه العيون تأتي من جبال الأطلس عبر نظام ( الخطارات)، وكانت النسوة لا تغادر الرياض لجلب الماء، لأن ” الݣراب ” هو من يتكلف بهذه المهمة النبيلة، حيث كان صاحب الرياض يطلب منه ملء عدة قدور، وهكذا يقوم الݣراب برحلات مكوكية لنقل الماء إلى الرياض، حيث يفرغ القرب في القدور دون النظر إلى داخل الرياض، ولم يثبت عليه أنه تجاوز عتبة البيت أو انتهك المحارم، وهكذا اكتسب لقب “لمين” أي الأمين حيث كان محل ثقة كل الناس، قلت إنه سلطان الماء لأن قربة الماء لا تفارقه شتاء و صيفا، دائم الابتسامة يسقي العطشان يرض بالقليل أو بالمجان أحياناً، يضع فوق رأسه قبعة مميزة يتأبط قربة من جلد الماعز، فيها مياه باردة منسمة بالقطران و أكواب نحاسية و فضية، تلمع تحت شمس مراكش الدافئة، ومن المتناقضات العجيبة و المضحكة في نفس الوقت، أن يأخذ المشاركون في مؤتمر الماء العالمي صورا تذكارية مع الݣراب..!!، وهو من أكبر المقصيين عن مؤتمر الماء الذي يعنيه، وذلك بسبب التهميش و” الحݣرة” بالدارجة المغربية، بل غابت حى صورته على الملصق الإشهاري للمؤتمر، وهذا راجع إلى تبلد الحس الإبداعي عند المنظمين، كان من الواجب إشراك “الݣراب”في حفل استقبال الضيوف، وتوزيع الماء على المشاركين إنها صورة جميلة ترمز إلى الحياة، فكما يسقي البستاني الورود والأشجار، فإن “الݣراب ” يسقي الناس و يطفىء نار العطش…
_ عندما يكون لدينا وزراء من درجة “سطل” فما تحت:
إن أمثال هؤلاء المسؤولين هم من أضاعوا، الإرث الوطني التاريخي بتدمير” الخطارات”، إن “الخطارة” التي أبدعت فيها العبقرية المغربية، شكلت وسيلة فعالة لنقل المياه من المنابع في جبال الأطلس الكبير، إلى بساتين مراكش و حدائقها الغناء منذ قرون خلت، تحديدا من عهد المرابطين إلى ثمانينات القرن الماضي، حيث أقبرت وتم ردم”الخطارة ” و أنشئت فوقها تجزئات سكنية (عصرية )، وفنادق فاخرة من فئة خمسة نجوم ومراكز ترفيه، وهذا من فرط غباء و جهل وزراء السياحة والبيئة والمياه، لا ثقافة تاريخية ولا إبداع يحول”الخطارة”، إلى رافعة سياحية و مزار يقصده السياح، فهي تشبه الكهوف ولها فتحات التهوية، يمكن تجهيز السياح بمعدات و الانطلاق من مراكش إلى المنبع، أما عن البيئة فحدث ولا حرج لقد تم تجريف حدائق و بساتين تحيط بمراكش، والتي تشكل سلة غدائية لسكان المدينة بساتين ( تاسلطانت ) نموذجا، ولا زال تخريب البيئة باقتلاع الأشجار المثمرة و غير المثمرة مستمرا، و التي تعد مصفاة تحسن جو مدينة البهجة، اليوم أصبحت مع الأسف مراكش مقبرة الحديد و الإسمنت و الزفت، وغدت البساتين و منتزهات النخيل خرابا، خلت من تغاريد العصافير إلا من نعيق البوم (موكة)، ومع ذلك تنظم مؤتمر البيئة العالمي ( كوب 22 )..!!، هذا هو( الطنز العكري) والضحك على الذقون، أنا مع ترشيح هؤلاء الوزراء و المسؤولين لنيل جوائز التمثيل على الشعب، عليهم الالتحاق فورا بمهرجان مراكش للفيلم قبل انقضائه
المصدر: العمق المغربي
