مرة أخرى، تثبت الكرة المغربية أنها لا تعيش لحظة استثنائية، بل مرحلة تحول بنيوي عنوانها الأبرز: ثقافة الانتصار. تتويج المنتخب الوطني ببطولة أمم إفريقيا للاعبين المحليين (الشان 2024)، بعد فوز مثير على مدغشقر بثلاثة أهداف لهدفين، لم يكن حدثاً عابراً، بل حلقة جديدة في مسار صاعد جعل من المغرب أحد أبرز قصص النجاح الكروي على الصعيد العالمي.
تتويج المحليين، وهو الثالث تاريخياً، وضع المغرب في صدارة المنتخبات الأكثر فوزاً بالبطولة، لكنه قبل ذلك وبعده، أكد أن زمن المفاجآت قد ولّى، وأن التتويج بات خياراً وطنياً لا مناسبة احتفالية فقط.
الرسالة الملكية التي أعقبت الإنجاز لم تكن مجرّد تهنئة، بل رؤية سامية، فالملك محمد السادس اعتبر الفوز امتداداً لسلسلة من الانتصارات، ودعا إلى تحويل لحظة التفوق إلى ثقافة مؤسِّسة لهوية رياضية وطنية.
لم تكن التهنئة الملكية مجاملة ظرفية، بل تعبيراً عن تحول استراتيجي يقوده المغرب بثبات ومن أجل أمة لا ترضى إلا بالصدارة.
وعلى امتداد السنوات الأربع الأخيرة، حققت الكرة المغربية سلسلة نجاحات مدروسة: لقب “الشان 2020″، إنجاز تاريخي في مونديال قطر ببلوغ نصف النهائي، لقب كأس إفريقيا تحت 23 سنة، برونزية أولمبياد باريس 2024، تتويج الأشبال تحت 17 عاماً، صعود كرة الصالات بين كبار العالم، وتألق نسوي غير مسبوق ببلوغ ثمن نهائي مونديال السيدات 2023.
كل هذا لم يكن ضربة حظ، بل ثمرة مشروع متكامل انطلق من تطوير البنية التحتية وامتد إلى التكوين، وشمل تنظيم كبريات التظاهرات القارية والدولية، في أفق احتضان “كان 2025” وتنظيم “مونديال 2030” بالشراكة مع إسبانيا والبرتغال. هو مشروع تقوده إرادة ملكية واضحة، تستثمر في الرياضة باعتبارها قوة ناعمة ورافعة استراتيجية لا مجرد استقطاب جماهيري.
ومع ذلك، فإن هذه النجاحات، رغم بهائها، تظل تمهيداً لتحدٍّ أكبر ظل عصياً على المغرب لنحو نصف قرن: كأس إفريقيا للأمم. لقب غائب منذ 1976، لكنه لم يعد مطلباً عاطفياً أو أمنية رومانسية.
اليوم، كل المعطيات تشير إلى أن التتويج القاري لم يعد بعيداً، وأن المنظومة الكروية المغربية باتت قادرة على معانقة المجد القاري من بوابة “الكان”.
أكثر من مجرد كرة، باتت اللعبة أداة لترسيخ الثقة الوطنية، ومنصة لإعادة تعريف الممكن، وشحنة رمزية تعكس صورة المغرب الجديد: مغرب لا يقبل بأنصاف الإنجازات، ولا يخشى المنافسة، ويؤمن أن التتويج لا يُمنح، بل يُنتزع.
ثقافة الانتصار اليوم لم تعد شعاراً فضفاضاً، بل أصبحت مسؤولية جماعية: على المنتخبات، على الأندية، على الإعلام، وعلى الجماهير التي صارت ترى في كل استحقاق موعداً مع التاريخ.
وهنا بالتحديد يكمن التحدي الأكبر: أن يُحوّل المغاربة “الحق المؤجل” في التتويج القاري إلى واقع قريب، وأن تُزهر “كان 2025” بثمرة طال انتظارها.
فربيع الكرة المغربية لا يكتمل إلا بزهرته الأجمل: لقب “كأس إفريقيا للأمم المغرب 2025”.
المصدر: هسبريس