لم تعد الشراكات المالية الدولية تقاس بقيمة الموارد المرصودة لها، بل بقدرتها على التأثير في مسارات السياسات العمومية وإعادة توجيه أولويات التنمية. في هذا السياق، تكتسب الاتفاقيات التمويلية الأخيرة بين المغرب والبنك الألماني للتنمية أهمية خاصة، باعتبارها ترتبط مباشرة بصناعة القرار المالي العمومي، وبأدوات التعاون الإنمائي الألماني، في لحظة تتقاطع فيها رهانات المناخ، والحماية الاجتماعية، والنقل المستدام.

إطار الاتفاقيات وسياقها المؤسساتي

في السادس عشر من ديسمبر 2025، أشرف الوزير المنتدب المكلف بالميزانية، فوزي لقجع، على توقيع ثلاث اتفاقيات تمويل مع مديرة شمال إفريقيا بالبنك الألماني للتنمية، دانييلا بيكمان، بصفتها ممثلة للإدارة الإقليمية للمؤسسة التي تضطلع بدور محوري في تنفيذ سياسة التعاون الإنمائي الألماني. بلغت القيمة الإجمالية لهذه الاتفاقيات 450 مليون يورو، ووزعت على ثلاثة برامج ذات طابع هيكلي: دعم السياسات المناخية في مرحلتها الثانية، استكمال ورش الحماية الاجتماعية مع ربطه بالتشغيل، وتطوير منظومة التنقل واللوجستيك بجهة الدار البيضاء سطات تحت إشراف المكتب الوطني للسكك الحديدية.

ويبرز هذا الإطار المؤسساتي أن الاتفاقيات لم تكن تقنية محضة، بل ثمرة تنسيق مباشر بين الجهة المسؤولة عن توازنات المالية العمومية، والجهة المخولة بتوجيه التمويل التنموي الألماني وفق أولويات سياسية واقتصادية محددة.

دلالات الخطاب الرسمي

أكد المسؤول الحكومي المكلف بتدبير الميزانية العمومية، في تقديمه لمضمون الاتفاقيات، الطابع التراكمي للشراكة، مشيرا إلى أن حجم الالتزامات المالية المبرمة عبر الزمن يعكس علاقة طويلة المدى. وتستمد هذه الإشارة دلالتها من موقع المسؤولية المرتبط بضبط النفقات والدين العمومي، إذ توحي بأن الاتفاقيات مندمجة ضمن إستراتيجية تمويل شاملة، لا ضمن استجابة ظرفية لحاجة ميزانياتية آنية.

في المقابل، شددت المسؤولة الألمانية، بصفتها المشرفة على محفظة التمويلات الموجهة لدول شمال إفريقيا، على تسارع وتيرة الالتزامات المالية خلال السنة الجارية، ما يعكس توجها مؤسساتيا يقوم على تكثيف الاستثمار التنموي في شركاء يعتبرون محوريين لتحقيق أهداف المناخ والتنمية المستدامة خارج المجال الأوروبي.

التمويل المناخي كأداة إصلاح

تندرج الموارد المخصصة للسياسات المناخية ضمن نمط تمويلي يركز على الإصلاحات بدل المشاريع. ويعكس هذا التوجه توافقا حول ضرورة إدماج الاعتبارات البيئية في صنع القرار الاقتصادي. غير أن هذا النوع من التمويل، رغم مساهمته في تحسين كفاءة السياسات العمومية، يثير تساؤلات تتعلق بمدى مرونة القرار الوطني في ظل ارتباط الصرف بتحقيق مؤشرات متفق عليها خارجيا.

الحماية الاجتماعية ورهان الإدماج

يعكس ربط الحماية الاجتماعية بالتشغيل توجها ماليا يسعى إلى تقليص الكلفة طويلة المدى للهشاشة. فمن زاوية تدبير الميزانية، يمثل الاستثمار في إدماج الشباب خارج الشغل والتكوين خيارا استباقيا لتخفيف ضغوط مستقبلية على الإنفاق الاجتماعي. غير أن نجاح هذا التوجه يظل رهينا بقدرة البرامج الممولة على الانتقال من توسيع التغطية إلى تحقيق إدماج اقتصادي فعلي.

النقل المستدام وكفاءة الاقتصاد الحضري

يستند توجيه جزء مهم من التمويل إلى منظومة التنقل بجهة الدار البيضاء سطات إلى تشخيص مشترك للكلفة الاقتصادية للازدحام الحضري. فتحسين النقل السككي لا يخدم الأهداف البيئية فقط، بل ينسجم أيضا مع منطق رفع الإنتاجية وتقليص الفاقد الزمني، وهي عناصر أساسية في الحسابات الاقتصادية للجهة الأكثر إنتاجا وطنيا.

مصير الشراكة بعد التوقيع

تكشف هذه الاتفاقيات عن تحول في طبيعة العلاقة بين التمويل والتنمية، حيث لم يعد المال أداة دعم فقط، بل وسيلة لإعادة توجيه السياسات العمومية. وستقاس القيمة الحقيقية لهذه الشراكة بقدرة الطرفين على الحفاظ على توازن دقيق بين متطلبات الإصلاح، واستقلال القرار، وفعالية الأثر التنموي. ضمن هذا الهامش، تتحدد ملامح نموذج تمويلي جديد في طور التشكل.

المصدر: العمق المغربي

شاركها.