الممارسة السياسية الحزبية هي أس من الأسس المركزية للبناء الديمقراطي عبر بوابة دولة المؤسسات، ذلك أن الفعل والفاعل السياسيين من المفروض فيهم، وانطلاقا من البنية الدستورية الدولية المقارنة، أن يشاركوا في تدبير قضايا الشأن العام عبر بوابة الاختيار المواطن الواعي، والذي تشكل منطلقه الأول صناديق الاقتراع. مسؤولية حزبية وسياسية تنطلق أولا وقبل كل شيء من حسن اختيار الحزب السياسي للمرشح السياسي الذي يعد حلقة وصل بين الإيديولوجيات الحزبية من جهة، والتعبير عن طموحات المواطن انطلاقا من مقترب مؤسسي صرف من جهة أخرى.
يعرف منسوب الفلسفة الديمقراطية منسوبا تصاعديا مواطناتيا شعاره الإصلاح المقترن بسلامة ذمة المنتخب ونظافة يده. طرح لا يمكن أن نعتبره ميكيافيليا من الناحية النظرية فقط، ومن خلال تكريس نظرية الأمير بصيغة الشعارات المعنوية فقط، ذلك أن واقع الحال المقترن باتساع رقعة التواصل الإنساني والفكري لأصبح ينزل بثقله في سياق جديد ومتجدد عنوانه المنتخب الحزبي المختار بناء على سيرته الأخلاقية. نعم، إننا أمام بريسترويكا حزبية وسياسية دولية أصبحت تواجه كل رموز الفساد الانتخابي، وهذا ليس بحكم قيمة ذلك، إن التوجه السياسي الحالي، وبالموازاة مع نمو الوعي السياسي لدى المواطن ولو من خلال العالم الأزرق، قد أصبح يسابق الزمن من أجل تنميط آليات الاختيار، والخاصة بالدرجة الأولى بالمرشح الانتخابي، وذلك عبر بوابة بنية استراتيجية لتخليق الحياة السياسية، وذلك انطلاقا من تضييق حيز ولوج المنحرف السياسي عن ولوج بنية التدبير المباشر لقضايا الشأن، وذلك من خلال تنزيل شروط صارمة للاختيار، والتي تركز أولا وقبل كل شيء على سلامة السيرة الأخلاقية للمرشح الانتخابي من كل ما من شأنه أن يعكر صفوها، وذلك من قبيل نظافة اليد ونقاء الذمة.
للتكنولوجيات الحديثة دور مركزي في إطلاق عنان هذا الصرح الإصلاحي، ذلك أن العولمة ليست تجارية فقط، بل تمس سلة عريضة من المجالات، والتي توجد من بين أسسها المركزية البنية الحزبية والسياسية، وذلك انطلاقا من كون هذه الأخيرة لهي المنفذ الرئيسي لولوج منصة تدبير قضايا الشأن العام.
إن للإصلاح السياسي دورا محوريا لمواصلة بناء دولة الحق والقانون فيما يتعلق بكل النماذج الديمقراطية الدولية، والتي تعتبر التجربة المغربية جزءا لا يتجزأ منها. تجربة سياسية تجمع بين فكر علال الفاسي والبنية الاشتراكية والمد الليبرالي، تجارب تختلف من حيث الفكر الحزبي الداخلي، غير أن ما يجمعها هو الوطن الواحد وتمغربيت.
إن مطالعة فكر الزعيم الفاسي في النقد الذاتي لنستشف معه سلة عريضة من الأفكار التي تواكب صحوة الإصلاح السياسي، وعبره حسن اختيار المرشح الانتخابي، ذلك أن الزعيم علال الفاسي قد تحدث عن الفكر الشمولي والتفكير بالواجب وتعميم الفكر، الذي بنى فيه علال الفاسي فكرة مركزية لفولتير عنوانها: إذا أردت إنهاض شعب فعلمه كيف يفكر، وهو ما نستشف معه بأن تنزيل الإصلاح يبدأ من وإلى الأحزاب السياسية، ومن خلالها حسن اختيار مرشحيها، ذلك أن توجيه الرأي العام لا يمكن بلوغ نتائجه، لا أقول المؤثرة فيه، وإنما المستقطبة لمشاركته السياسية الوازنة والواسعة الرقعة عبر بوابة الانخراط في الأحزاب السياسية، ومن ثمة المشاركة في التصويت الذي يعتبر واجبا وطنيا، والواجب ينطلق من المعنوي ليصل إلى المادي، أي بالتعبير عن الاختيار عبر صناديق الاختيار.
لعل المتأمل في المنظومتين الدستورية والقوانين الانتخابية المغربية ليقف عند تبني مؤشرين مركزيين:
أولها: ارتكاز دستور 2011 على مبدأي المساءلة والمحاسبة
ثانيهما: توجه القوانين الانتخابية إلى تخليق الحياة السياسية
مؤشران، وبالموازاة مع قرب تشريعات 2026 وترابيات 2027، يمكن اعتبارهما بمثابة مقياس حقيقي لمؤشر الديمقراطية التمثيلية بالمملكة المغربية، وهو هدف لا يمكننا بلوغه، ومن ثمة تحقيق نتائجه المنتظرة، إلا عبر بوابة حسن اختيار المرشح بصيغة حسن سيرته الإنسانية والعملية والسياسية، ومن ثمة ضمان تقديم أفضل الكفاءات الحزبية للناخب الذي أصبح يعرف كيف يواجه ويقيم ما يصطلح على تسميته في المعجم الانتخابي والسياسي بالفساد الانتخابي.
المصدر: العمق المغربي
