درءًا للمخاطر الأمنية والتهديدات الإرهابية التي تشهدها منطقة الساحل وغرب إفريقيا قدمت الولايات المتحدة الأمريكية للجارة الجنوبية موريتانيا معدات عسكرية حديثة، في إطار تعزيز التعاون الأمني والدفاعي بين البلدين، وذلك خلال مراسيم رسمية احتضنتها العاصمة نواكشوط، بإشراف نائب رئيس البعثة الأمريكية، جون تي. آيس.

وأوضحت السفارة الأمريكية في نواكشوط، في بيان لها، أن هذا الدعم يندرج ضمن جهود تقوية القدرات العملياتية للقوات المسلحة الموريتانية ورفع جاهزيتها التقنية واللوجستية، بما يمكّنها من مواجهة التحديات الأمنية المتنامية بالمنطقة، مشيرة إلى أن “المعدات الجديدة ستسهم في تحسين الأداء الميداني خلال التدريبات العسكرية المقبلة”.

وأضاف البيان أن هذه المعدات ستستخدم في إطار مناورات “فلينتلوك” متعددة الجنسيات، التي تشارك فيها موريتانيا إلى جانب دول حليفة وشريكة، وتهدف إلى تعزيز قدرات مكافحة الإرهاب، وتطوير التنسيق العسكري، وتوحيد الإجراءات العملياتية، إضافة إلى تبادل الخبرات ورفع مستوى الاستجابة للأزمات الأمنية المحتملة.

وأكد نائب رئيس البعثة الأمريكية، خلال مراسيم التسليم، أن هذا الدعم يعكس متانة الشراكة الإستراتيجية بين الولايات المتحدة وموريتانيا، ويجسد التزام واشنطن بمواكبة جهود نواكشوط في تعزيز أمنها الوطني والإقليمي، مبرزا أهمية تطوير القدرات الفنية والتقنية للقوات المسلحة الموريتانية، وضمان قدرتها على التعامل مع مختلف التهديدات الأمنية في منطقة الساحل وغرب إفريقيا.

وفي هذا الصدد تسلّمت موريتانيا العتاد العسكري المقدم من الولايات المتحدة الأمريكية عقب توقيع اتفاقية رسمية أشرف عليها الفريق محمد فال الرايس الرايس، قائد الأركان العامة للجيوش، بمركز المؤتمرات بقيادة الأركان العامة للجيوش، بحضور القائمة بالأعمال في السفارة الأمريكية، كورينا ساندرز، التي أكدت التزام واشنطن بدعم السلام والأمن والاستقرار الإقليمي، مشيرة إلى أن “التعاون الثنائي يتجاوز توفير العتاد والتدريب والدعم الفني ليشمل تعزيز قابلية التشغيل البيني بين القوات المسلحة، وبناء شراكة طويلة الأمد قادرة على مواجهة التهديدات التقليدية وغير التقليدية، وترسيخ بيئة أمنية مستقرة تعود بالنفع على البلدين”.

وتُعد مناورات “فلينتلوك” جزءا من برنامج تدريبي شامل يركز على تحسين التنسيق بين وحدات العمليات الخاصة، وتعزيز مهارات إدارة الأزمات والاستجابة السريعة للتهديدات الإرهابية، من خلال سيناريوهات تحاكي العمليات الواقعية، كما تتيح للقوات المشاركة فرصة اختبار المعدات الحديثة والتقنيات المتطورة في بيئة عملياتية مشتركة.

تعليقا على هذا الموضوع قال الشيخ أحمد أمين، مدير موقع “أنباء أنفو” الموريتاني الممنوع من النشر، إن تقديم الولايات المتحدة الأمريكية معدات عسكرية حديثة لموريتانيا ، في إطار تعزيز التعاون الأمني والدفاعي بين البلدين، يترجم من حيث المبدأ مستوى متقدما من الشراكة الأمنية بين الطرفين.

وأضاف الشيخ أحمد، في تصريح لجريدة هسبريس الإلكترونية، أن هذا التطور الإيجابي على مستوى التعاون العسكري والأمني يتزامن، في المقابل، مع قرار أمريكي يقضي بتعليق منح التأشيرات للموريتانيين ابتداء من يناير 2026؛ وهو ما يثير حالة من الاستغراب والتساؤل حول خلفيات هذا الإجراء وتوقيته.

وبخصوص دلالات هذا القرار أكد المتحدث أن الجمع بين تعزيز الشراكة الإستراتيجية على المستوى الرسمي وتشديد القيود على المواطنين يطرح إشكالية حقيقية بشأن طبيعة العلاقة الثنائية، وما إذا كانت تقوم على توازن في المصالح، أم إنها محكومة باعتبارات أمنية ضيقة لا تأخذ بعين الاعتبار الانعكاسات الإنسانية والاجتماعية.

واسترسل الصحافي الموريتاني بأن العلاقات بين واشنطن ونواكشوط شهدت خلال الأشهر الأخيرة تطورا مهما، شمل تدريبات مشتركة، ودعما لوجستيا، وتنسيقا متقدما في ملفات الأمن الإقليمي ومكافحة الإرهاب، وهو ما يجعل من قرار تعليق التأشيرات إجراء متناقضا مع مسار التقارب القائم.

وأوضح مصرح هسبريس أن المواطن الموريتاني يجد نفسه معنيا مباشرة بهذا القرار، لما يترتب عليه من تقييد لفرص السفر والدراسة ولمّ الشمل الأسري، لافتا إلى أن “هذا الأمر قد يؤثر في نظرة الرأي العام المحلي إلى جدوى الشراكة المعلنة إذا لم تنعكس إيجابا على المستوى المجتمعي”.

وأنهى الشيخ أحمد أمين حديثه لهسبريس بالتأكيد على أن المرحلة الراهنة تتطلب وضوحا أكبر في السياسة الأمريكية تجاه موريتانيا، مشددا على “ضرورة أن ينسجم الخطاب الداعم للتعاون الأمني مع الممارسات العملية، ويحافظ على مصداقية الشراكة في بعديها الإستراتيجي والإنساني”.

من جهته سجل الفاعل السياسي دداي بيبوط أن الولايات المتحدة لم تترك الجمهورية الإسلامية الموريتانية وحيدة في مواجهة الأخطار الأمنية العابرة للحدود، وذلك عبر إضفاء طابع الشراكة الحيوية في مجال مكافحة الإرهاب، مشيرا إلى أن “موريتانيا لم تتعرض لأي هجوم إرهابي منذ سنة 2011 بفضل هذا الدعم المتواصل”.

وأوضح بيبوط، ضمن إفادة لهسبريس، أن هذه الشراكة تمثل اليوم حجر الزاوية في الإستراتيجية الأمريكية بمنطقة الساحل، خاصة في ظل تراجع أو انهيار شراكات إقليمية أخرى عقب الانقلابات العسكرية التي شهدتها دول مثل مالي وبوركينا فاسو والنيجر.

وأكد الباحث في التاريخ المعاصر والحديث أن تركيز واشنطن المتزايد على موريتانيا يرتبط أيضا بمخاوف أمريكية من احتمال توجه نواكشوط نحو تنويع مورديها العسكريين، لافتا إلى أن “اقتناء موريتانيا مركبات مدرعة صينية الصنع، إلى جانب استفادتها من دعم أوروبي ومعدات مقدمة من حلف الناتو، يعكس انفتاحها على تعدد الشركاء في مجال التحديث العسكري”.

ولفت بيبوط الانتباه إلى أن “الولايات المتحدة عملت، في هذا السياق، على تبديد مخاوفها عبر تعزيز برامج التدريب وبناء القدرات، من خلال دعم مستدام لسلاح الجو الموريتاني، خاصة في مجال صيانة طائرات المراقبة والاستطلاع، ما يضمن الحفاظ على فعالية المهام رغم محدودية حجم القوات الجوية”.

وتابع المحلل السياسي ذاته: “إن الدعم الأمريكي يتركز أساسا على التدريب وتنمية الكفاءات”، معتبرا أن تنظيم تدريبات “فلينتلوك” يشكل الركيزة الأساسية للتعاون العسكري الثنائي، لما تتضمنه من تدريبات ميدانية، ودروس أكاديمية مرتبطة بسيادة القانون وقانون النزاعات المسلحة وحقوق الإنسان.

ونبه المتحدث إلى أن هذا التعاون يتعزز أيضا عبر برامج المساعدة الأمنية والمالية، التي شملت دعما اقتصاديا وعسكريا مهما خلال السنوات الأخيرة، في إطار مقاربة شاملة لترسيخ شراكة مكافحة الإرهاب عبر الصحراء.

وخلص دداي بيبوط إلى أن تقديم الولايات المتحدة معدات عسكرية حديثة لموريتانيا يندرج ضمن رؤية إستراتيجية تعتبر نواكشوط إلى جانب الرباط ركيزة للاستقرار الإقليمي في شمال إفريقيا والساحل، مؤكدا أن “هذا الدعم يعكس رغبة أمريكية واضحة في تعميق الشراكة مع دولة أثبتت نفسها كشريك موثوق في منطقة تتسم بتزايد الاضطرابات والتحديات الأمنية”.

المصدر: هسبريس

شاركها.