في قلب المدن الكبرى حول العالم، من أوتاوا إلى باريس، ومن برلين إلى أمستردام، هناك مغاربة لا يحملون ألقابا دبلوماسية ولا صفات رسمية، لكنهم يمارسون دبلوماسية من نوع مختلف، ينقلون صوت المملكة، ويعيدون رسم صورة قضية وحدتها الترابية في أذهان صانعي القرار والنخب السياسية والمدنية في بلدان المهجر. فقضية الصحراء المغربية بالنسبة إليهم ليست مجرد ملف سياسي، بل جزء من روحهم وهويتهم التي لم تنفصل عنهم يوما.
الجالية المغربية في العالم لا تقدّم فقط دعما معنويا للقضية الوطنية، بل تُعيد تشكيل أسلوب الترافع عنها في حد ذاته. إنها تُحوّل المعركة من نزاع سياسي إلى خطاب عقلاني يستند إلى الحجة التاريخية والقانونية، وإلى الحقائق السياسية والثقافية في مواجهة محاولات استغلال مناخ حرية التعبير في دول الاستقبال للترويج لسرديات مضللة. هكذا تصبح الصحراء، في الخطاب الذي ينتجه أبناء الجالية، قضية انتماء وذاكرة وحق مشروع في التنمية والاستقرار.
هولندا.. تاريخ دفاع مستمر
في هولندا، يروي قاسم أشهبون، ناشط جمعوي مغربي مقيم في هذا البلد الأوروبي عضو في مؤسسة “حوار”، كيف خرج أفراد الجالية المغربية بأعداد غفيرة، يتقدمهم مغاربة الجيل الأول، في مظاهرات بشوارع مدن “الأراضي المنخفضة” في مناسبات عديدة لنصرة قضية الوحدة الترابية للمملكة، بما في ذلك تلك التي خرجت بعد صدور رأي استشاري لمحكمة العدل الدولية أواسط أكتوبر من العام 1975 أكد أن الصحراء لم تكن يوما أرضا خالية إبان فترة الاستعمار الإسباني للمغرب، مثبتا وجود روابط البيعة بين سكانها وملوك المغرب.
وقال أشهبون، في حديث مع جريدة هسبريس الإلكترونية، إن “اهتمام مغاربة هولندا بهذه القضية لم يكن وليد اللحظة؛ إذ توحد المغاربة منذ سبعينات القرن الماضي للدفاع عن وحدة ترابهم في وقت كانت تتمتع في الأطروحة الانفصالية بثقل معين مرتبط بانتشار الفكر الاشتراكي في أوروبا آنذاك، وذلك على الرغم من أن أفراد الجالية حينها لم يكونوا يتوفرون على أي تكوين سياسي، بل كانت تحركهم الفطرة فقط وحب الوطن”.
وأضاف أن “الجالية المغربية وقفت أيضا في محطات عديدة في تاريخها في مواجهة خطاب أصوات كانت تنشط في هولندا وتعارض مصالح المغرب ومواقفه، وكانت لهذه الأصوات إمكانيات أكبر لولوج المشهد السياسي الهولندي. ورغم كل ذلك، نجح المغاربة في غرس حب الوطن والوفاء لقضاياه في نفوس الأجيال اللاحقة، والنتيجة هي أن الأجيال الصاعدة لديها اعتزاز منقطع النظير بالمغرب وارتباط قوي بقضاياه، رغم أن بعضهم قد لا يتقن العربية أو الدارجة”.
وأكد أشهبون أن “اهتمام مغاربة هولندا، على اختلاف أجيالهم ومستوياتهم الثقافية والاجتماعية، يظهر في الحرص الدائم على الاحتفال بالأعياد والمناسبات الوطنية، ودعوة سياسيين ومثقفين هولنديين إلى هذه المناسبات، وهذا الحضور يقدم رسالة قوية للمجتمع وللدولة في هولندا بأن المغاربة متمسكون بوحدة وطنهم وبتوريث الدفاع عن مصالحه وثوابته إلى الأجيال القادمة”.
الثقافة سلاح الدفاع عن الصحراء
أما في ألمانيا، وإلى جانب الحرص على تخليد المناسبات الوطنية، حوّل المغاربة الجامعات والصالونات الأكاديمية إلى حصون ثقافية ومنصات حيوية لإبراز ثراء وتنوع الهوية الثقافية المغربية. وفي قلب هذه المبادرات، ينبثق الدفاع عن الصحراء المغربية، حيث تصبح الثقافة السلاح الأقوى الذي يحملونه في معركة توضيح الحقائق، مؤكدين للعالم أن الصحراء ليست مجرد أرض، بل امتداد طبيعي لهوية مغربية لا تفكك.
في هذا الصدد، قالت نادية يقين، مغربية مقيمة بألمانيا عضو لجنة الثقافة والأعمال الاجتماعية بمجلس مدينة “مومنهايم” مديرة المعهد المغربي الألماني للدراسات والبحوث، إن “الجالية المغربية لعبت دورا مهما في الترافع عن القضية الوطنية والتعريف بها، كل واحد حسب قدراته وإمكانياته. بحيث شكل المجتمع المدني في ألمانياعلى سبيل المثالنواة أساسية سهرت وتسهر على تعزيز هذه القضية لدى أبناء الجالية الذين ولدوا في بلدان الاستقبال، وذلك من خلال الاحتفال وتخليد الأعياد الوطنية المغربية، وهي مناسبات تمكن الأجيال من التعرف على القضية والاحتفاء بها كمرحلة مهمة في تاريخ المغرب”.
وبينت يقين، في حديث مع هسبريس، أن “الترافع عن القضية أو القضايا الوطنية لا يرتبط فقط بالمناسبات أو الأعياد الوطنية؛ ذلك أن القضية الوطنية ليست قضية ظرفية، بل هي جزء حي وحاضر في المعيش اليومي، إلى درجة أنها قد تحضر بشكل عفوي خلال اللقاءات الشخصية أو المهنية، بمعنى أنها ممتدة. والأكيد هنا أن التعدد الثقافي الذي نتمتع به في إطار الهوية الوطنية، كما نص عليه دستور 2011، هو ما يجعلنا ليس فقط حريصين على التعريف بقضيتنا الوطنية، بل نفتخر بذلك، وهذا ما يدفعنا للإبداع في طرق التعريف والإقناع حسب الفئة المستهدفة طبعا”.
وزادت قائلة: “تجربتي في الصالونات الثقافية المغربية الألمانية أو الصالونات الدبلوماسية التي ننظمها أو الأنشطة الأكاديمية بالشراكة مع بعض الجامعات الألمانية، هي من أبرز المبادرات التي قمنا بها إلى جانب عدد من الأسماء المغربية في ألمانيا، بحيث شكلت فرصة لمناقشة أبعاد الهوية المغربية بكل مكوناتها: العربية، الأمازيغية، الصحراوية، الأندلسية والإفريقية”.
وأوضحت المتحدثة أن “القرار الأممي التاريخي الأخير حول قضية الصحراء المغربية سيظل مكتوبا بماء من ذهب في ذاكرتنا وذاكرة الأجيال القادمة. إنها مرحلة تاريخية تتطلب منا كجالية مغربية مقيمة في ألمانيا أن نحتفي بها بشكل قوي ينسجم مع قوة وحضور الجالية المغربية في ألمانيا، أي الاشتغال على تعزيز حضور صورة المغرب الموحد في ألمانيا”.
وأكدت أن “الجالية المغربية بمختلف أجيالها متشبثة بالهوية المغربية، وتقدم درسا في أن عشق المغرب والتمسك بالهوية المغربية هو إرث من جيل إلى جيل. إنه جيل يعلم أن خارطة المغرب لا تكتمل إلا بصحرائه، جيل يحفظ النشيد الوطني عن ظهر قلب، ويعرف أن أغنية ‘العيون عينيّا’، التي نعتبرها أغنية الذاكرة الجماعية المغربية للمسيرة الخضراء، هي أغنية مسيرة ملك وشعب وتاريخ ظل يناضل لخمسين سنة ليحقق الوحدة كاملة. إنه جيل المغرب الموحد تحت شعار: الله، الوطن، الملك”.
تحويل الحقائق إلى تأثير سياسي
في دول أخرى من العالم كإيطاليا وكندا، يراهن مغاربة المهجر على قدرتهم على الوصول إلى النخب السياسية والفكرية في هذه البلدان، وإقناعها بعدالة القضية من خلال عرض الحقائق المرتكزة على الأدلة التاريخية والقانونية المرتبطة بهذا النزاع الإقليمي، محولين اللقاءات والورشات وكذا البيانات التي يصدرونها إلى منصات لتصحيح الأفكار التي قد تكون راسخة لدى بعض النخب والجمهور العام في هذه البلدان، وبالتالي بناء فهم عميق ومستدام لدى هذه النخب حول ضرورة احترام الحق الثابت للمغرب.
واحد من هؤلاء الذين اختاروا سياسة الحوار في الدفاع عن مغربية الصحراء، هو أحمد بومفتاح، مغربي مقيم بكندا رئيس “الهيئة المغربية الكندية للصداقة والتعاون”، الذي قال: “عندما تواجه خطابا معاديا، يجب أن ترفع مستوى حجتك وتوسع دائرة المخاطبين، وهذا ما نفعله كمغاربة في كندا، أي مخاطبة السياسيين والمنتخبين، سواء على المستوى الفيدرالي أو على مستوى القطاعات، لأنهم منبع التأثير في السياسة الخارجية الكندية”.
وأشار بومفتاح، في تصريح لجريدة هسبريس الإلكترونية، إلى “إرسال رسالة إلى مكتب رئيس الوزراء الكندي، مارك كارني، وإلى وزارة الخارجية في هذا البلد مباشرة بعد الموقف البريطاني الأخير الداعم لسيادة المغرب على الصحراء في إطار مخطط الحكم الذاتي، تدعو السلطات الكندية إلى التفاعل مع المستجدات الدولية وحث الكنديين على استثمار الفرص المتاحة في الصحراء المغربية وكذا الفرص الاقتصادية التي توفرها الرباط في إفريقيا، خاصة في ظل التوجه الاقتصادي للحكومة الكندية الحالية”.
في سياق متصل، أكد ياسين بلقاسم، مغربي مقيم في الديار الإيطالية المنسق الوطني لشبكة جمعيات الجالية المغربية في إيطاليا (RACMI)، أن “بعض النخب في إيطاليا ما زالت تحمل أفكارا مغلوطة ومشوهة حول قضية الصحراء المغربية وبعض الأحداث السياسية والقانونية المرتبطة بها، كمسألة طرح تحرير الصحراء من الاستعمار على أنظار الأمم المتحدة في سنة 1963، ولذلك نحرص على التنوير والتعريف والتحسيس بالقضية الوطنية ومستجداتها”.
وأضاف بلقاسم، في حديث مع هسبريس، أن “المجتمع المدني المغربي في إيطاليا يوجد في مقدمة معركة الرد على التضليل والدعاية الانفصالية في إيطاليا، ودائما ما يتطرق إلى الموقف المحتشم للحكومة الإيطالية في تأخرها لمواكبة الاعترافات الدولية بالحكم الذاتي”، مشددا على أن “ما هو مطلوب اليوم أكثر من أي وقت مضى هو التعبئة الشاملة للتنوير والوقوف سَدّا منيعا في وجه بعض الجهات الإيطالية المناوئة لوحدتنا الترابية التي سقطت في فخ الدعاية الممارسة من طرف أعداء وحدتنا الترابية، وعلى رأسهم جماعة ما يسمى البوليساريو والجماعات التي تسترزق من معاناة ساكنة مخيمات تندوف المغلوبة على أمرها في الجزائر”.
صناع التأثير والاندماج في المؤسسات
تؤمن شريحة أخرى من الجالية المغربية بالخارج بأن حسم النزاعات والانتصار للقضايا المشروعة إنما يخاض أيضا بسلاح المعلومات وإقناع الرأي العام الدولي، لذا تراهن على الترافع الإعلامي المدعوم بأدلة دامغة لإثبات وجاهة الطرح المغربي وإيصال صوته إلى جمهور عالمي واسع، خاصة وأن الإعلام الدولي اليوم لم يعد مجرد نافذة للخبر، بل أصبح أداة صراع حاسمة، تصوغ الآراء وتبني التحالفات على أساس الصورة والمعلومة.
هنا، قال عبد الرحمان مكاوي، مغربي مقيم بفرنسا أستاذ جامعي سابق بجامعة “ديجون” تخصص العلاقات الدولية، إن “موضوع الصحراء المغربية موضوع حساس يتطلب ضبطه على مستوى المصطلحات ومفاهيم القانون الدولي المستعملة، لأنه لم يعد يكفِ أن تقول إن الصحراء مغربية فقط، خاصة وأنك تخاطب جمهورا واسعا فيه جامعيون ومثقفون وإعلاميون لا يمكن أن تقنعهم بصواب الطرح المغربي بمجرد الكلام العاطفي”.
وأضاف مكاوي، الذي يظهر بانتظام في القنوات الفرنسية والدولية لعرض وجهة النظر المغربية في قضية النزاع الإقليمي حول الصحراء، أن “المعركة اليوم لم تعد على الأرض وحدها، بل على الصورة والمعلومة في الإعلام الدولي، فكل ظهور في القنوات الفرنسية أو الدولية هو فرصة لإظهار الحقائق المغربية الراسخة في الأقاليم الجنوبية، وهذا هو الرهان الذي أخوضه بكل اقتناع؛ كوني من أبناء الجالية المغربية في فرنسا”.
وتابع المتحدث لهسبريس أن “المغرب يعيش حربا غير معلنة متعددة الجهات، بما في ذلك الحرب الإعلامية والحقوقية والرقمية، ومغاربة فرنسا يقفون اليوم إلى جانب بلادهم في هذه الحرب، حتى إن الجيل الصاعد اليوم منهم بدأ البحث في الأرشيف الفرنسي وفي تاريخ المغرب حول الحقائق التي كانت قد حجبتها بعض الأوساط السياسية اليسارية في هذا البلد”.
وشدد مكاوي على أن “أفراد الجالية المغربية بفرنسا، باختلاف مواقعهم وأعمارهم، منخرطون بكل روح وطنية في الدفاع عن مقدسات الوطن ويساهمون في تنميته، حتى إن الأجيال الجديدة بدأت تقتحم المؤسسات الفرنسية كالأحزاب بمختلف تلاوينها السياسية والمجالس المنتخبة، وبعضهم أصبح يساهم في صياغة القرار الفرنسي بعدما كان هناك فراغ ملأته الأطر الجزائرية التي وظفت في السابق هذه المؤسسات لضرب مصالح المملكة المغربية”.
المصدر: هسبريس
