يشكل العمل الحزبي السياسي العمود الفقري للدورة السياسية في معظم الأنظمة الديمقراطية المقارنة ، ذلك أن ماهية تدبير قضايا الشأن العام ترتكز على مقوم محوري عنوانه الديمقراطية التمثيلية لأنها هي المؤشر الحقيقي لقياس منسوب المشاركة السياسية من جهة والقناعة المواطنة المقترنة بالرضى عن حصاد السياسات العمومية المتأسسة على البرامج الانتخابية بصفة عامة والبرامج الحكومية بصفة خاصة .
لعل المتأمل في المشهد السياسي الدولي ليقف وقفة تأمل أمام سلة عريضة من المتغيرات الجذرية للبنية الانتخابية التي أصبحت تتغير وتتبدل في اتساق وثيق مع باروميتر الطموحات الشعبية التي اصبحت تتسع رقعة تواصلها عبر الوسائط التكنولوجية الالكترونية بصفة عامة والوسائط الاجتماعية بصفة خاصة ، هذه الأخيرة التي تشكل أرضية خصبة للنقاش العمومي وخاصة الشبابي حول مجموعة من القضايا المتعلقة بتدبير قضايا الشأن ، ما يؤدي إلى رفع منسوب المطالب المواطنة بضرورة التغيير الجذري لبعض السياسات العمومية التي لا تستجيب للمطلب والمطمح وخاصة في باب الخدمات الاجتماعية ويتعلق الأمر بثالوث بلوغ رقعة النجاح السياسي : الصحة ، التعليم والتشغيل.
إن التجارب السياسية التي تتواتر من خلالها البنيات الحزبية السياسية على تدبير قضايا الشأن العام عبر بوابة مؤسسات الدولة لتنم عن وجود نسب من التفاوتات المجالية ، فهل يرتبط الأمر بالفاعل السياسي ، الفاعل العمومي أم باختيارات المواطن أي الناخب ؟.
إشكالية مركبة تنم عن وجود مجموعة من المتدخلين المباشرين في تدبير قضايا الشان العام ، عملية تبدأ من وإلى الأحزاب السياسية ، نعم ، المسؤولية ملقاة على عاتق الفاعل السياسي ، الذي يجب أن يقدم كل ما في وسعه من أجل مواكبة البنية المتجددة لقضايا الشأن العام ، ذلك أن عقليات ومطالب الأجيال تختلف وتتغير جيلا بعد جيل ، وهو ما يحتم في نفس الان على الاحزاب السياسية إما المواكبة عبر الاصلاح الداخلي لبناها التدبيرية والتي يجب أن تتحرى الكفاءة والتخصص ونظافة اليد من جهة ، ناهيك عن ضرورة إعمال مبدأ استمرارية المرفق العام عبر اليات تواتر الحكومات على مواصلة البناء المقترن باليات التدبير الحديث الذي يجب ان يتسق اتساقا وثيقا مع الزامية الأخذ بعين الاعتبار للتراكمات المحققة في باب السياسات العمومية ومواصلة تطعيمها ببنية عنوانها النجاعة والفعالية ، كما لا يفوتنا في هذا الباب التذكير بالزامية تغيير نمطية اليات التواصل السياسي الذي يجب أن يخضع لعملية اصلاح جذري تواكبه الاليات التكنولوجية الحديثة التي لا تتعارض البتة مع ايديولوجية هذا الحزب أو ذاك ، بل تيسر عملياته لاستقطاب فئات الشباب وغيرهم من الفئات العمرية لممارسة العمل السياسي من داخل المؤسسات الحزبية ما سيمكن من مجابهة ظاهرة العزوف السياسي من جهة ومن هدر الزمن السياسي والتنموي من جهة أخرى .
إن مغرب السرعة الواحدة والتي لا ثاني لها، يجب أن ينحو من وجهة نظر الكاتب نهج لغة التواصل السياسي الصريح والممكن ، عبر الآليات التسويقية الممكنة وكذا أهداف التنمية الممكنة ، ذلك ان توسيع رقعة التواصل السياسي السليم بين الحواضر والقرى سيسهم لا محالة في قطع الطريق أمام كل الاصوات النشاز التي لم تحقق نتائج تذكر في تدبير قضايا الشان العام ما سيفتح الباب على مصراعيه امام المواطن من دخول غمار الممارسة السياسية الديمقراطية من أوسع أبوابه ويتعلق الامر بالانخراط في الاحزاب السياسية الجادة ، نعم الجدية اصبحت عملة مطلوبة من لدن جميع الفرقاء المجاليين قصد بلوغ اهداف النموذج التنموي الجديد الذي تقوده وتؤمن به المؤسسة الملكية عبر بوابة ميكانيزمات الديمقراطية التمثيلية.
من الواضح للعيان على أن تشريعيات 2026 أو حتى ترابيات 2027 ، لن تكون كسابقاتها ، ما نربطه بصفة مباشرة بتنامي نسبة الوعي الوطني بضرورة الانخراط الناجع والفعال للمؤسسات في تسريع قاطرة الاصلاح التنموي وهو أمر لا يمكنننا بلوغه من وجهة نظرنا الا عبر تغيير عقلية ونمطية تدبير الفعل السياسي من لدن الاحزاب السياسة ، هذه الاخيرة التي هي مطالبة الان ومن اي وقت مضى بتجديد النخب وتمكين الكفاءات وتغيير اليات تسييرها ومواكبتها بالتكنلوجيات الحديثة .
لذلك ، فمن سيتمكن من التغيير الناجع لكي يقنع ومن ثمة يصل الى دائرة التدبير العمومي لقضايا الشأن العام.
الجواب ، سيكون فيه المواطن هو الفيصل سواء أتعلق الأمر بتشريعات 2026 أو ترابيات 2027 ، من الحزب السياسي الذي سيقنع لكي يدبر ، معادلة مركبة عنوانها الجدية ثم الجدية .

مقال بقلم الدكتور العباس الوردي استاذ القانون العام بجامعة محمد الخامس بالرباط و المدير العام للمجلة الافريقية للسياسات العامة

المصدر: العمق المغربي

شاركها.