إلغاء أضاحي العيد.. هل فشلت الحكومة في إدارة أزمة القطيع الوطني؟

أهاب الملك محمد السادس بالشعب المغربي عدم إقامة شعيرة عيد الأضحى لهذا العام، في خطوة تعكس التحديات الصعبة التي يواجهها المغرب، خاصة في القطاع الفلاحي، وهو ما يأتي في ظل تراجع القطيع الوطني بنسبة كبيرة، بفعل الجفاف وارتفاع أسعار الأعلاف، مما يجعل الحفاظ على الثروة الحيوانية أولوية استراتيجية.
هذا القرار يأتي بعد خطوات حكومية، لدعم الإنتاج الوطني بعد الارتفاع المهول في أسعار اللحوم سواء من خلال دعم الواردات المغربية من اللحوم وإعفائها من أداء الرسوم الجمركية أو تقديم دعم لمستوردي المواشي خلال عيد الأضحى، ما يطرح تساؤلات حول أسباب فشل السياسات المعتمدة من قبل الحكومة في كبح جماح هذا الارتفاع رغم الجهود المبذولة؟
فرص مهدورة
في هذا السياق أوضح الخبير الاقتصادي، علي الغنبوري، أن إلغاء عيد الأضحى جاء نتيجة عوامل متراكمة، أبرزها الجفاف الذي ضرب البلاد لسنوات متتالية، مما أثر بشكل كبير على القطيع الوطني، مشيرا إلى ان الجفاف الذي ظهرت آثاره الواضحة منذ 2019، تسبب في ندرة المياه والأعلاف الطبيعية، ما أدى إلى تراجع أعداد الماشية بنسبة تصل إلى 38% مقارنة بـ2016، ما جعل من الصعب توفير الأضاحي بكميات كافية وبأسعار معقولة، خاصة مع الطلب الكبير الذي يصل إلى أكثر من 5 ملايين رأس سنويا، بينما تشير التقديرات إلى أن القطيع المتاح قد لا يتجاوز المليونين ونصف.
واعتبر المتحدث ذاته، أن الجفاف ليس السبب الوحيد، فهناك عوامل اقتصادية أخرى ساهمت في هذا القرار، مثل ارتفاع تكاليف الأعلاف المستوردة وانخفاض القدرة الشرائية للمواطنين، مما جعل شراء الأضحية عبئا ثقيلا على الأسر. وسجل أن هناك اختلالا واضحا في إدارة الأزمة من طرف الحكومة، حيث أن السياسات الفلاحية، مثل “مخطط المغرب الأخضر”، لم تحقق الاكتفاء الذاتي المنشود في الثروة الحيوانية، مما زاد من تعقيد المشكلة، هذا بالإضافة إلى إشكال الاحتكار والمضاربة التي باتت تغطي على سلسلة التسويق في هذا المجال، خاصة أمام العجز التام للحكومة في معالجة هذا الأمر.
وحسب المتحدث ذاته، فإنه لو تم اتخاذ إجراءات استباقية أكثر فعالية، على سبيل المثال، من قبيل تعزيز دعم صغار المربين بشكل مباشر منذ سنوات، من خلال توفير الأعلاف المدعمة بكميات كافية وضبط توزيعها لضمان وصولها للمحتاجين فعلا، بالإضافة إلى وضع خطة طويلة الأمد لإعادة بناء القطيع الوطني، مثل تقييد الذبح في سنوات سابقة أو تشجيع التربية المستدامة، لربما كان سيخفف من حدة الأزمة.
هدر أموال الاستيراد
وجوابا على سؤال ، حول فشل ملايير الدراهم المرصودة من ميزانية الدولة للاستيراد في حل الأزمة، أكد الغنبوري أن الأمر يحمل عدة أوجه كون أن الاستيراد لم يكن حلا جذريا، بل مجرد مسكّن مؤقت لتغطية العجز، ورغم استيراد عشرات الآلاف من رؤوس الماشية (124 ألف رأس من الأغنام و21 ألف من الأبقار حتى فبراير 2025)، فإن هذه الكميات لم تكن كافية لتلبية الطلب الداخلي الهائل.
وأضاف بالقول: “الدعم المالي الكبير الذي قدمته الحكومة للاستيراد لم ينعكس على الأسعار، حيث بقيت مرتفعة، مما يشير إلى أن الفائدة ذهبت للمستوردين والوسطاء بدلا من المواطن العادي، ناهيك عن إخفاء بعض المستوردين بالماشية لرفع الأسعار أو بيعها لاحقا للمجازر بأسعار أعلى”.
وشدد المتحدث ذاته، على أن قرار إلغاء الشعيرة، كان استثنائيا وله مبرراته المناخية والاقتصادية، لكنه كشف عن خلل هيكلي في إدارة الثروة الحيوانية بالمغرب، مسجلا أن “الحلول المستدامة، مثل حماية القطيع وتنظيم السوق، كانت ممكنة، لكن غياب التخطيط الفعال وفشل الاستيراد في تحقيق التوازن أوصلوا البلاد إلى هذه الخطوة”.
وأقر الخبير الاقتصادي، أنه على صعيد الطلب الداخلي، شهدت أسعار الأضاحي ارتفاعا ملحوظا، إذ وصل متوسط سعر الأغنام إلى نحو 4000 درهم في 2024، مقارنة بـ 3000 درهم في 2023 متجاوزا معدل التضخم بعشرة أضعاف، وهو ما جعل الشعيرة عبئا ثقيلا على الأسر محدودة الدخل، وإلغاؤها سيخفف لا محالة هذا الضغط المالي.
خسائر ومكاسب
وأكد الغنبوري، أنه من منظور التكلفة والفائدة، يمثل القرار استثمارا في مستقبل القطاع الفلاحي، إذ يعزز الحفاظ على القطيع الأمن الغذائي على المدى الطويل، خاصة مع تراجع إنتاج اللحوم من 230 ألف رأس معدة للذبح سنويا إلى 150 ألفا، في ظل استمرار الجفاف، لكن نجاح هذه الخطوة يعتمد على إجراءات حكومية فعالة تساند وتدعم القرار الملكي.
كما أن نجاح هذا التوجه حسب الغنبوري يعتمد على تحقيق توازن دقيق بين الخسائر الفورية والمكاسب المستقبلية، فمن جهة سيفقد العديد من الفلاحين والمربين والتجار موسما اقتصاديا أساسيا كان يضخ مليارات الدراهم سنويا في الدورة الاقتصادية، مما قد يفاقم الأوضاع المعيشية في المجال القروي، خاصة لدى الفئات الهشة، ومن جهة أخرى فإن تأمين مستقبل القطاع الفلاحي وحماية القطيع المتبقي قد يساهمان في استقرار أسعار اللحوم وتعزيز الأمن الغذائي على المدى الطويل.
جدير بالذكر أن وزير الصناعة والتجارة، رياض مزور كشف عن وجود نحو 18 مضاربا يتحكمون في سوق اللحوم الحمراء، عملوا على تضخم هوامش الربح بشكل غير مسبوق، موضحا أن الحكومة تحاول التصدي لهذا الإشكال.
وحسب مزور فإنه من ضمن التدابير المتخذة، سماح الحكومة باستيراد 200 ألف رأس من الأغنام، مع إلغاء الرسوم الجمركية لحماية المستهلك من الارتفاع الكبير في الأسعار، إلا أن التحقيقات أظهرت أن هامش ربح المستوردين تراوح بين 20 و25 درهما للكيلوغرام، بينما كان يفترض ألا يتجاوز 10 دراهم، أما الجزارون التقليديون، فتتراوح هوامش ربحهم بين 8 و10 دراهم.
المصدر: العمق المغربي