أمد/ لم يكن وجودي في مخيم الصحفيين بخانيونس مجرّد عمل أو مهنة؛ لم أكن فقط صحفيًا أدوّن الأحداث وأوثّقها بعدستي وقلمي، بل كنت أعيشها وأتنفّسها بين زملائي الذين صاروا لي إخوة ورفاق درب. المخيم لم يكن مكانًا عابرًا، بل بيتًا ثانيًا انهال عليه القصف، ففقد ملامحه كما فقدنا فيه أعزّ الناس.
كنا معًا نتقاسم لقمة الخبز والماء، نتشارك السكن البسيط الذي جمعنا، ونحاول أن نسدّ نواقص الحياة والعمل بالإصرار والتكاتف. وسط أصوات القصف وظلام الحرب، كنا نروي الحكايات ونضحك رغم الألم، نُعاند الموت بالبسمة، ونزرع الأمل بما تبقى من حياة.
كان حسّام دينامو المخيم، لا يهدأ، يساعد الجميع بتواضع وابتسامة صافية.
أما معاذ، فقد كان ضحكة المخيم، فاكهته الدائمة، بخفّته وروحه العفوية، حتى في لحظات الغضب كان يزرع حوله ابتسامة.
مريم، أخت الجميع، المبادرة الأولى دائمًا، حاضرة في كل مكان، بسيارتها التي تحوّلت إلى جسر يصل بين الزملاء، لا تردّ طلبًا ولا تتأخر عن أحد.
أحمد أبو عزيز، الشاب الخلوق، المستحيل أن يطلب منه أحد شيئًا ولا ينفّذه. خدوم إلى أبعد الحدود، راقٍ في تعامله، قريب من قلوب الجميع.
أما محمد الأسمر، فكان عين الجزيرة، وعين العالم علينا، يلتقط الصور ويوثّق الأحداث لحظة بلحظة، ليبقى شاهدًا على الحقيقة.
قصص كثيرة تختبئ في القلب عن هؤلاء الرفاق، الذين عشنا معهم أقسى أيام الحرب وأكثرها وجعًا. كنا نتقاسم الخوف، نتشارك الدموع، ونشدّ على أيدي بعض لنصمد في وجه الألم.
لكن المشهد تغيّر… فاليوم، مخيم الصحفيين في خانيونس بات خاليًا من روحه. منهم من استُشهد، ومنهم من أُصيب، ومنهم من هاجر قسرًا بحثًا عن أمان مفقود. المخيم الذي كان يعجّ بالحياة والأصوات والضحكات، أصبح صامتًا باردًا، كأنه فقد قلبه.
الصحفيون الباقون هناك يعملون بأجساد منهكة، بلا روح، بلا عزيمة، غرباء في مكانهم. لا يجدون من يواسي جراحهم أو يمدّ لهم يد العون. بقي المخيم شاهدًا صامتًا على زمن كان فيه الصحفيون روح المكان، قبل أن يتفرّقوا بين غربة وغياب ورحيل