اخر الاخبار

في يومي العالمي.. أنا امرأة من خيمة أصرخ بلا صوت

أمد/ كنت أستيقظ كل يوم على وقع الريح وهي تهز جدران خيمتي، وكأنها تذكرني بأني لا أزال هنا، عالقة بين الموت والحياة، بين الحرب والبقاء. منذ حرب السابع من أكتوبر2023 على  قطاع غزة، لم أعد كما كنت، لم أعد الفتاة التي تحلم بيوم تشتري فيه فستانا أنيقًا أو تعطر معصمها برائحة عطر باذخ.

 كل شيء تبدل، حتى انعكاس وجهي في مرآتي الصغيرة التي فقدت زجاجها في القصف.

أنظر حولي، كل النساء مثقلات بالهموم، عيونهن ذابلة من السهر والخوف، أيدٍ خشنة من حمل الماء والحطب، أجساد مرهقة من شح الطعام والبرد.

 في مكان آخر من العالم، تحتفل النساء بإنجازاتهن، أما في غزة، فالإنجاز أن تبقى المرأة على قيد الحياة ليوم آخر.

في الخيام، كل شيء مسموع، كل حركة مرصودة، حتى الاستحمام أصبح مغامرة تحتاج إلى حارس يقف عند مدخل الخيمة، وإلى عجلة تسرق بها المرأة دقائق من الوقت قبل أن تعود إلى كفاحها اليومي. 

حتى فترة الطمث، تمر على النساء في مدينتي بصعوبة، معاناة لا تطاق، مع قلة المياه وانعدام الفوط الصحية.

نرتدي ثوب الصلاة في الخيام ولم نخلعه، ليس لأنه اختيارنا، بل لأن كل خروج من الخيمة يتطلب أن نتشح به، يكسو أجسادنا، و لم يكن مجرد قماش، بل غلافًا للحزن، للحصار، للحرمان من الأنوثة التي لم يعد لها مكان هنا..

لم يعد هنا دور محدد للرجل أو المرأة، الجميع يحمل على كتفيه أعباء الحياة القاسية. 

أنا وكل إمراة في قطاع غزة نحمل المياه، ونبحث عن الحطب، ونقف في طوابير المساعدات، وننتظر دورنا لشحن البطاريات كي تُضيء خيامنا ليلًا.

 لم يعد لدينا خياراً، الرجل وحده لم يعد يكفي، وعلى النساء أن يحملن الوطن بأكمله على أكتافهن المنهكة.

حين أنظر حولي، أجد أماً تجلس على التراب، تحمل صورة ابنها الشهيد، تمسحها بكفها المرتعش، تتمتم باسمه بين الدموع.

 أرى زوجة كانت تملك بيتًا دافئًا، والآن تجلس تحت المطر، بلا زوج، بلا منزل، بلا مأوى. 

و حاملًا تنتظر مولودها وسط الجوع والقهر، دون سرير، دون أدنى مقومات الحياة.

في مكان ما، تُكرّم النساء اليوم، تُهدى لهن الزهور، تُمنح لهن الجوائز، أما في غزة، فلا أحد يتذكرنا أننا قدمنا أعظم التضحيات، ومن النساء أصبحت بقوائم الأرامل، الثكالى، مشردات، محاصرات بين الجوع والخوف والبرد.

أنظر إلى يدي أنا وكل النساء في مدينتي المدمرة، نحلم بساعة أنوثة، ساعة واحدة فقط، نخلع فيها السواد، نمشط شعرنا دون أن يتطاير بالغبار، نضع عطرًا دون أن يمتزج برائحة النار، نأكل وجبة كاملة دون أن نفكر إن كنا سنجد طعامًا للغد، لكن الأحلام هنا لا مكان لها، ففي غزة، حتى الحلم يندثر.

النساء هنا لا يحتجن ليوم عالمي ليتم الاحتفال بهن، بل يحتجن للعالم كله ليقف معهن، ليعيد لهن حق الحياة، ليذكرهن بأنهن ما زلن نساء، ولسن فقط أرقاما في قوائم الضحايا والناجين.

أتنفس بعمق ، أخرج من خيمتي  أواجه الشمس التي لم أعد أشعر بدفئها، أغمض عيني للحظة، أتمنى لو أن العالم يسمع صوتي،. صوت كل امرأة من غزة، امرأة من خيمة، امرأة تنزف حزنا، ولا أحد يراها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *