اخر الاخبار

غزة تلفظ أنفاسها الأخيرة والعالم يتفرج

في ظل صمت دولي مطبق، تواصل آلة القتل الصهيونية حرب إبادة غير مسبوقة ضد المدنيين في قطاع غزة، حيث تتراكم الجثث تحت الأنقاض وتختلط أصوات الصراخ بأزيز الطائرات الحربية. فالمشاهد التي يبثها الدفاع المدني الفلسطيني يومياً، تكشف فصولاً من مأساة إنسانية تجاوزت كل الحدود، فما بين أحياء الشجاعية وخان يونس ورفح، تتحول المنازل والمدارس والمستشفيات إلى أهداف مشروعة لقوات الاحتلال التي لا تفرق بين طفل وامرأة أو بين نازح وجريح.

وارتفع عدد الشهداء الذين ارتقوا جراء القصف المتواصل على رفح وخان يونس والشجاعية، منذ فجر الجمعة إلى أكثر من 31 مدنيا، بينهم 10 استشهدوا بقصف منزل في حي المنارة بخان يونس و3 آخرين في قصف خيمة نازحين بمواصي خان يونس.

ويعمل رجال الإنقاذ في حي الشجاعية، وسط غبار القصف وبأيدٍ عارية لانتشال الضحايا من تحت الركام، معظمهم أطفالٌ لم يعرفوا من الحياة سوى الخوف والجوع والقنابل. الجثث تتراكم في الشوارع، بعضها محترق وبعضها الآخر مشوّه بفعل القذائف العنقودية، فيما تعلو أصوات الناجين تطلب النجدة من تحت الأنقاض دون أن يجدوا من يسمعهم. المشهد ذاته تكرر مع مجزرة مدرسة “دار الأرقم” في حي التفاح التي رفعت عدد شهداء يوم الخميس وحده إلى 112، بينهم 31 من النازحين، بينهم نساء وأطفال، بعضهم لم يُعرف اسمه فدُفن برقم مجهول في مقابر جماعية. وتحولت المدرسة إلى رماد بعد أن قصفتها طائرات الاحتلال رغم علمها بأنها ملجأ آلاف النازحين.

أما في خان يونس، فالقصف لا يتوقف، فكل يوم يشهد مجزرة جديدة، آخرها استهداف منازل عائلة شراب التي لم يتبق منها سوى أكوام من الإسمنت المسلح والدماء. فرق الإسعاف تعمل وسط ظروف بالغة القسوة، فغياب المعدات الطبية والوقود يحول دون إنقاذ الكثيرين الذين يموتون بين أيدي الأطباء بسبب انهيار النظام الصحي بالكامل. المستشفيات لم تعد قادرة على استقبال المزيد من الجرحى، والأطباء يضطرون إلى إجراء عمليات جراحية دون بنج أو أدوية أساسية، بينما تتحول أروقة المشافي إلى مقابر مؤقتة تنتظر دورها في الدفن.

ووصف مدير المستشفى المعمداني في غزة الوضع بالكارثي، محذراً من انهيار المنظومة الصحية بسبب نقص المعدات الطبية، حيث لا يتوفر سوى جهاز تصوير واحد في شمال القطاع، بينما لم يعد المستشفى قادرا على استيعاب عدد الجرحى المرتفع. كما دمرت غارة صهيونية محطة تحلية المياه في حي التفاح، مما زاد من معاناة السكان بعد تدمير 90% من مصادر المياه النظيفة، ما يضع غزة أمام أزمة عطش جديدة تزيد من معاناة السكان. بدأ جيش الاحتلال، صباح أمس، توسيع عدوانه البري شمال قطاع غزة لتشمل حي الشجاعية ضمن حرب الإبادة الجماعية التي يرتكبها في القطاع منذ 18 شهرا.

وأفادت مصادر محلية، أن جيش الاحتلال بدأ التوغل شرق حي الشجاعية بمدينة غزة وسط قصف وأحزمة نارية كثيفة.

وقالت مديرة الإسناد والمناصرة في مؤسسة “آكشن أيد” الدولية ريهام الجعفري، إن الوضع الإنساني في قطاع غزة “تجاوز الكارثية”، واصفة إياه بغير المسبوق، وذلك بسبب انعدام الغذاء والمياه والوقود وانهيار القطاع الصحي بالكامل.

وعشية عيد الطفل الفلسطيني، أظهرت الأرقام التي استعرضها جهاز الإحصاء الفلسطيني، أن قطاع غزة “ينزف طفولة”، وأن “العدوان سلب الأطفال أحلامهم وهدم براءتهم تحت الركام، وأنهم شكّلوا مع النساء أكثر من 60 في المئة من إجمالي الضحايا البالغ عددهم 50,021 فلسطينيا، بينهم 17,954 طفلاً.

وحذّر الدكتور منير البرش، المدير العام لوزارة الصحة في قطاع غزة، من أن القطاع “يلفظ أنفاسه الأخيرة” بعد تصاعد استخدام الاحتلال لأسلحة جديدة تسبّب إصابات “غريبة ومشوّهة وحروقاً بالغة”، مشيراً إلى انهيار النظام الصحي بسبب نقص حاد في الأدوية الأساسية والمضادات الحيوية والمعقمات، ما يجبر الأطباء على ترك الجروح مفتوحة دون علاج.

وأكد البرش أن المجازر الصهيونية المتكررة ضد النازحين في مراكز الإيواء تفضح عجز المجتمع الدولي عن وقف هذه الجرائم، فيما تخلت المنظمات الدولية عن دورها الإنساني، حيث تُرك 15 ألف طفل يواجهون الموت دون رعاية، وأكثر من 50 ألف امرأة حامل محرومات من الرعاية الطبية، مما أدى إلى انهيار حاد في أعداد المواليد.

وأشار البرش إلى أن الاحتلال يوظف “التجويع كأسلوب حرب” بعد منع دخول الإمدادات الغذائية والطبية لأكثر من 34 يوماً، بينما تعاني المستشفيات من اكتظاظ غير مسبوق وسط إخراج 400 طبيب من القطاع بين قتيل ومعتقل ونازح.

وفي ظل هذا الدمار، يضطر آلاف المدنيين لهجرة منازلهم قسرا تحت التهديد بالقتل، يحملون أطفالهم وأمتعتهم البسيطة بلا وجهة آمنة. المعابر مغلقة والماء والغذاء شبه منعدم والمساعدات الإنسانية يمنعها الكيان عن دخول القطاع، فيما العالم يتفرج وكأن الأمر لا يعنيه. الأرقام الرسمية تتحدث عن أكثر من خمسين ألف ضحية بين قتيل وجريح، معظمهم من الأطفال والنساء، لكن العدد الحقيقي قد يكون أكبر بكثير، فكثيرون ما زالوا تحت الأنقاض وآخرون يموتون بصمت بسبب الأمراض وسوء التغذية.

ويواصل المجتمع الدولي لعبة الادعاءات والبيانات الخجولة، بينما تقف الولايات المتحدة وبعض الدول الأوروبية حائط صد أمام أي تحرك جاد لوقف هذه المجازر. من جهتها، تعقد الأمم المتحدة الاجتماعات تلو الأخرى، وما إن يرتسم قرار أممي يضغط على الكيان لوقف الإبادة في غزة، تخرج واشنطن ورقة الفيتو لتمنعه، وكأن حياة الفلسطينيين ليست سوى أرقام في تقارير إخبارية. أما الضحايا، فيموتون كل يوم مرتين، مرة تحت القصف، ومرة تحت ركام الصمت الدولي. التاريخ سيسجل أن الإنسانية خذلت غزة، وسيذكر كيف وقف العالم كله عاجزاً أمام آلة قتل لا تعرف الرحمة.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *