أمد/ (خاص) يقود د. زياد حنا، أبرز عربي فلسطيني في مجال الذكاء الاصطناعي في الداخل المحتل منذ عام 1948، عملية واسعة النطاق لدمج الشباب مع عالم الذكاء الاصطناعي بحيث يصبحون رديفا لهذا الذكاء  وليسوا مهمشين لاهثين وراءه في عالم يتطور بسرعة فائقة نحو مساحات أوسع في أفق عالم الحاسوب والمعلوماتية، الذي انتشر مؤخرا في العالم كانتشار النار في الهشيم.

ويتولى د. حنا منصبا قياديا نائبا للرئيس في الشركة العالمية الرائدة في تطوير أدوات تصميم الرقائق (Corporate Vice President of Cadence Design Systems)، ومقرها في الولايات المتحدة. ويأتي توليه لهذا المنصب المرموق في الشركة بعد ثلاثة عقود من العمل المضني والمثابر في صناعة الرقائق العالمية، إلى أن وصل إلى أعلى منصب يحتله حاليا في مسيرته المهنية، قائدا لاستراتيجية الذكاء الاصطناعي العالمية لشركة كيدنس، إحدى الشركات الرائدة عالميًا في تطوير أدوات تصميم الرقائق.

لم يتم التعيين من فوق في مقر الشركة في وادي السيليكون في الولايات المتحدة بل من مكتب زياد حنا في حيفا، عروس جبل الكرمل، حيث عكس زياد بخطواته ثقته العالية بنفسه وبقدرته على خوض هذا المجال دون الحاجة لمن يُدخله الى هذا الميدان.

يبلغ  د. حنا من العمر ٥٩ عامًا، وهو من مواليد بلدة الرامة في الجليل الفلسطيني الأسفل. وهو متزوج ولديه كريمتان، ويقيم في حيفا وينحدر من عائلة حنا الفلسطينية التي هُجّرت من بلدتها إقرث على الحدود اللبنانية الفلسطينية عام 1948 لمدة أسبوعين بأوامر من الجيش الإسرائيلي. ولا زال أهل البلدة ينتظرون نهاية أطول أسبوعين في التاريخ!!

بدأ زياد حنا مسيرته المهنية في شركة إنتل في التسعينيات، ثم انتقل لاحقًا إلى شركة غاسبر الناشئة، التي استحوذت عليها شركة كيدنس عام 2014، ومنذ ذلك الحين أثبت جدارته كأحد رواد الشركة، حتى أصبح يُشغل منصبه الحالي كرئيس تنفيذي لمراكز البحث والتطوير.

وإلى جانب عالم الأعمال، يجمع  د. حنا بين الأنشطة الأكاديمية والاجتماعية الواسعة: فهو محاضر في معهد التخنيون بحيفا، وأستاذ زائر في جامعة أكسفورد، وعضو فاعل في جمعيات تُشجع على دمج الشباب من المجتمع العربي في مجال التكنولوجيا المتقدمة. ويرى أن الجمع بين الصناعة والأوساط الأكاديمية والمجتمع ليس مهمة شخصية فحسب، بل هو أيضًا شرط أساسي لنجاح قطاع التكنولوجيا المتقدمة. ويقول: “أسعى دائمًا إلى الجمع بين هذه المجالات الثلاثة، كل منها يُغذي الآخر، ولا أتخلى عن أي منها.”

يأتي تعيين  د. حنا في ذروة واحدة من أهم الفترات في صناعة الرقائق والتكنولوجيا العالمية بشكل عام. تُقدّر قيمة سوق أشباه الموصلات بمئات المليارات من الدولارات، ومن المتوقع أن تتجاوز تريليون دولار في غضون خمس سنوات. هذا لا يعني فقط زيادة في الإيرادات، بل يعني أيضًا عبئًا هائلًا: من المتوقع أن يتضاعف عدد مشاريع الرقائق أربع مرات، في حين أن عدد المهندسين لا يمكنه النمو بنفس المعدل.

يوضح د. حنا: “لا توجد قوى عاملة كافية لمواجهة هذا التحدي، لذا فإن الطريقة الوحيدة لمواصلة الابتكار هي دمج الذكاء الاصطناعي في كل مرحلة من مراحل العملية.” وتُعتبر  شركة كيدنس، حيث يعمل د. حنا، من الشركات الرائدة عالميًا في مجال أتمتة التصميم الإلكتروني (EDA)، أي تطوير أدوات برمجية تُمكّن من تصميم الرقائق والتحقق منها واختبارها قبل بدء الإنتاج.

تُوظّف الشركة حوالي 14,000 موظف حول العالم، وهي تُعتبر محورًا أساسيًا في سلسلة القيمة في قطاع التكنولوجيا: فرغم أنها لا تُصنّع الرقائق بنفسها، إلا أنها تُوفّر الأدوات الأساسية لجميع شركات الرقائق الكبرى، من إنتل إلى إنفيديا، لتصميم وتطوير منتجاتها.

في السنوات الأخيرة، قادت كيدنس خطوتين تضعانها في طليعة ثورة الذكاء الاصطناعي: الأولى، التصميم من أجل الذكاء الاصطناعي، أي تطوير رقائق مُخصّصة لتشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي الكبيرة بكفاءة، والثانية، الذكاء الاصطناعي من أجل التصميم، أي استخدام الذكاء الاصطناعي لتحديث أدوات التصميم نفسها وزيادة كفاءة مهندسي الرقائق بشكل كبير. ويقول  د. حنا في هذا السياق: “يُستثمر ما يقرب من 80% من تكلفة تطوير أي رقاقة في التحقق من صحتها، للتأكد من أنها تعمل بشكل صحيح. وأي خطأ يُكتشف متأخرًا قد يُكلف الملايين. قدرة الذكاء الاصطناعي على تحديد المشكلات مبكرًا وتوفير الموارد ضرورة وجودية لا غنى عنها.”

ويضيف د. حنا: “لا يقتصر الأمر على الحفاظ على ثقافة أو لغة، بل هو بنية تحتية تكنولوجية ضرورية. إذا لم تكن هناك نماذج متقدمة باللغة فلن تعمل الخدمات العامة والتجارية كما ينبغي، ويرى أن الحل يكمن في تنسيق الجهود بين الحكومات والأوساط الأكاديمية والقطاع الصناعي. فالمسؤولية جماعية ولا تقتصر على رواد الصناعات الإلكترونية والذكاء الاصطناعي.

ثورة تربوية

في هذا السياق، يُسلط حنا الضوء على الأوساط الأكاديمية، مُشددًا على الحاجة المُلحة للتغيير. ويرى أن أسلوب التدريب التقليدي القائم على الدورات النظرية وحدها لم يعد كافيًا لعالم العمل الجديد. ويقول: “يصل طلابنا إلى عالم عملٍ مختلف تمامًا عن العالم الذي تُبنى عليه المناهج الدراسية” موضحًا أن خريجي الجامعات الحاصلين على شهادة في علوم الحاسوب أو الهندسة مُلزمون فعليًا بالتعامل مع أدوات وتقنيات ومنهجيات لم يصادفوها في دراستهم. ولسد هذه الفجوة، يُدمج بنفسه أدوات الذكاء الاصطناعي في المقررات التي يُدرّسها في معهد التخنيون بحيفا، مما يُنتج مواد تعليمية مُخصصة تُتيح للطلاب طرح الأسئلة فورًا دون خوف من اعتبارهم “غير مُدركين”.

ويقول  د. حنا: “إن قدرة الطالب على إدارة حوار مع الذكاء الاصطناعي، للحصول على شرح إضافي أو مثال جديد، تُمثل ثورة تربوية”، مؤكدًا أنه ليس بديلاً عن أساسيات الرياضيات أو الفيزياء أو علوم الحاسوب، بل هو إضافة قيّمة. ويرى أن هذا هو مفتاح الحفاظ على مستوى عالٍ من البحث العلمي من جهة، وتزويد الطلاب بالأدوات التي تُحافظ على مكانتهم في سوق العمل من جهة أخرى.

إفساح المجال للإبداع

بشكل عام، تتجاوز رؤية  د. حنا حدود صناعة الرقائق الإلكترونية، وهو حريص على إعادة الحوار إلى نقطة انطلاقه، أي إلى الإنسان. من وجهة نظره، رأس المال البشري ليس مجرد مورد، بل هو الميزة التنافسية الحقيقية. ويضيف: “يجب ان تعطي الشركات فرصاً للمهندسين المبتدئين أكثر لأن فيهم الطاقات الجديدة والعصرية وخاصة التوجه الجديد لعالم الذكاء الاصطناعي. بينما اليوم تعتمد الشركات بالأساس على المهندسين المخضرمين. هذا الشيء سيفتح مجالا أكبر للخريجين للاندماج في عالم الهايتك العصري الذي محركه الجديد والقوي… الذكاء الاصطناعي.” ويتابع: “إن الشباب تحديدًا، الذين ينشؤون مع أدوات الذكاء الاصطناعي الجديدة، هم من سيقودون الجيل القادم. إذا اعتمدنا فقط على المهندسين المخضرمين، سنخسر المستقبل.” وبحسب قوله، فإن الذكاء الاصطناعي لا يشكل تهديدًا، بل رافعة، وكلما فهمنا أكثر أنه مصمم لتمكين العمال وليس استبدالهم، كلما تمكنا من ضمان ميزة التكنولوجيا المحلية المتطورة. ويضيف: “كل من يحاول استخدامها فقط لخفض التكاليف يفشل. وكل من يبني عليها للنمو ينجح.” ويوضح أن القفزة النوعية في الكفاءة التي يتيحها الذكاء الاصطناعي لا تهدف إلى استبدال الإبداع البشري، بل إلى إفساح المجال له.

ويطرح المفهوم نفسه على نظام التعليم: “يمكنك أن تأخذ أطفالًا في الصف الأول وتجعلهم يصممون لعبة كمبيوتر دون معرفة سطر واحد من الأكواد البرمجية. سيفكرون في القواعد والأهداف، وسيُثمر الذكاء الاصطناعي. هذا يُنمّي فيهم القدرة على طرح الأسئلة الصحيحة، وهي أهم مهارة في العصر القادم”. وهكذا، يضع  د. حنا رؤية أوسع بكثير من الشركات التي عمل بها والمنصب القيادي الذي عُيّن فيه. ويرى أن رعاية جيل جديد من المهندسين ورواد الأعمال والعلماء الذين ينشؤون على أدوات الذكاء الاصطناعي ليست ضرورة مهنية فحسب، بل مهمة عامة أيضًا. ويختتم حديثه قائلاً: “إن شباب اليوم يحملون معهم نهجاً طبيعياً للتكنولوجيا، وإذا عرفنا كيفية الاستثمار فيهم بشكل صحيح، يمكننا ضمان أن التكنولوجيا العالية هي التي ستقود العالم.”

شاركها.