اخبار المغرب

هي ما تشرط وهو ما يفرط

عندما تتحول مرحلة الوعي لدينا من مرحلة المراهقة الى مرحلة النضج العقلاني، فإننا نبدأ تدريجيا في التقرب من رؤية حقيقية لشريك حياتنا غير المطلية بالمكياج والاقنعة الساطعة. شريك داعم لنا في المحن والصعوبات التي يمكن أن نتعرض لها، كالدعم الذي حضي به خير الرسل عند بداية الوحي ومحنها من شريكة حياته السيدة خديجة عليها اطيب السلام.

والصداق وشروطه التعجيزية، هما لبنة ونقوس أولي قد يمكننا من فهم ومعرفة حقيقة هذا الشريك الذي نرغب فيه، من أجل تحقيق نوع من التكامل والتفاعل الإيجابي الطيب، الغاية منه خلق توازن يمكن الفرد منا من اكمال حياته بكل أريحية وتفاهم.

ومما لا شك فيه أن الصداق هو رمز اكرام المرأة، وهو مأخوذ من الصدق لدلالته على صدق ورغبة الزوجين في موافقة الشرع، وهو حق مفروض، ولكن بالمعروف والتراضي، حيث نجد الشرع الإسلامي وحتى القوانين الوضعية المختلفة لم يحددان قدرا معلوما له. كما نجده قد مر بعدة مراحل عبر التاريخ، الى ان وصلنا على ما هو عليه الآن من تباهي وتعالي وشروط تعجيزية بين الأسر، ربما هذا راجع لسبب انعدام الثقة التي أصبحت تتجدر لدى البعض عن المستقبل، أو ربما بسبب انتشار حالات الطلاق وتبعياتها والتي في الحقيقة لا دخل لمدونة الاسرة والقوانين الوضعية فبها، وهذا ما يجعلنا اليوم نشاهد ارتفاع مهول لنسبة المصلحة في الزواج وانخفاض نسبة المعاشرة الطيبة بين الأزواج والاسر وبالتالي العزوف عن الزواج نتيجة لكل هذه المشاكل و الظرف المعيشية الصعبة التي اصبح الكل تقريبا يتخبط فيها.

ولكن السؤال المطروح والمثار من وقت لآخر هو، هل فعلا الصداق هو تكريم للأزواج أم تسليع؟ وهل صحيح ما يعتبره البعض أنه عربون حب وسعادة بين الأزواج ام نقمة إذا ما ارتبط بمصالح وشروط تعجيزية؟ وللإجابة على هذه الأسئلة أحببت مشاركتكم قصة صاحبة أعلى وأجمل صداق عرفه التاريخ، لا ربما تكون عبرة واجابة على اسئلتنا المحيرة، وهذا راجع لدلالاتها ورمزيتها القوية.

فالغميصاء أو كما يطلق عليها أم سُلَيْم هي فتاة ذات جمال ورجاحة في العقل كانت في عهد الجاهلية تحت زوجها طلحة بن مالك ابي الصحابي الجليل انس بن مالك خادم النبي محمد صلى الله عليه وسلم، و أحد المكثرين لرواية الحديث والذي كان يحبها حبا كبيرا، لكن قدر الله وأن فارقتهم الحياة بسبب عناده في دخول الإسلام رغم حبهما الكبير، حيث توفي وهو في سفره متخاصما مع زوجته، معتقدا أن بعودته ستعود الأمور كما كانت.

ولما شاع خبر ترمل «الغميصاء» وعلى الرغم من أنها أم لطفل، تشوق كثير من الرجال إلى الاقتران بها نظرا لما تتحلى به من جمال وخصال المرأة الطيبة العاقلة القنوعة، ولكن زيد الذي يعد من أكبر وأغنى أثرياء يثرب، تجرأ متقدما للإفصاح عما في نفسه اتجاها، معتقدا وخاطرا في باله بأن طلبه لن يرد في أي لحظةً من اللحظات، ومن أي فتاة كيفما كانت ومهما طلبت من المال، إلا أن المفاجأة أذهلته عندما وقف أمام باب دارها طالبا خطبتها. حيث قالت له وبكل خلق طيب: مثلك لا يرد يا أبا طلحة، ولكنك رجل كافر وأنا امرأة مسلمة ولا يحل لي أن أتزوجك، فإن تسلم فهذا مهري ولا أريد منك صداقا غيره، ” على الرغم من معرفتها بما يتوفر عليه من المال الوفير”. فعاد يلوح لها ويطمعها بالمال والعيشة الرغيدة على أمل أن تلين عن عنادها الغريب، وراحت هذه المرأة العاقلة الراغبة في الحياة الطيبة وغير المادية كما أصبحنا نلاحظه في يومنا هذا من نسائنا ورجالنا، ” حيث يرون فقط أمام أعينهم المال، والجاه، والقوة فقط، وليس شيء آخر. الا من رحم الله منا ونور قلبه وعقله بالرضى والقناعة والفكر البعيد”، هذه العبارة والرد كانت بمثابة صدمةً قوية وقعت على رأسه كالصاعقة، فقام غاضباً وراح إلى بيته مسترخياً على فراشه متسائلا: ماليي والغميصاء؟ هل خلت نساء المدينة من الجمال والحسن؟ خصوصا وأن لي مال ولازلت شاب وهي مطلقة ولديها طفل، لكن إصراره ورغبته في الزواج من سيدة عاقلة التي يمكن أن يمضي معها حياته ويبني معها مستقبله ومستقبل أبنائه قد تختلف من سيدة الى أخرى، وكلها مكونات تتوفر في هذه المرأة عن باقي النساء، ولما جاء اليوم التالي أسرع إليها معلناً اسلامه والشهادة ألا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ووافقت على الفور من الزواج منه، دون طلبات زائدة وفي غير محلها التي ربما لو كانت لأنقصت ونكست عيشتها، فأصبح هذا الخبر حديث الناس حيث يقولون “ما سمعنا بامرأة قط كانت أكرم مهراً من أم سليم، إذ كان مهرها الإسلام مقابل المال الوفير”، فنعم زيد بما كانت تتحلى به زوجته من كريم الشمائل ونبيل الخصائل وزاد من ذلك لما وضعت له غلاما سماه وباركه من السواك والثمر سيد الخلق رسول الله صلى الله عليه وسلم، انه عبد الله أخ أنس بن مالك و أبو عشر خيرة حملة القران والفقه الإسلامي، اسحقا و يحي وإسماعيل وعمروا ويعقوب وغيرهم.

لهذا التمس وأمل الأخذ بالعبرة والارتقاء مع من سنعيش، عندما يطرق بابنا، وليس فقط الاعتناء بالمظاهر والمصالح الخداعة، التي غالبا ما تكون مؤقته ومحدودة المدة. كما ألتمس من المرأة وضع شروط ولكن أن لا تكون تعجيزية للرجل اذا ما أحست بصدقه ونيته الطيبة وكذلك على الرجل عدم التفريط لإسعادها والاخذ بالاعتبارات الأشياء التي عملتها من اجله ، وأن يضعان بين اذهانهما كذلك بأن الزواج هو نصيب والطلاق قرار والمرض نصيب والعلاج قرار ووجود اشخاص في حياتهم نصيب والاحتفاظ بهم قرار، فان لم يكن يمتلكان النصيب فانهما يمتلكان القرار، وأن البيوت ربما قد تبني بمال وجمال ولكن إذا كانت بلا اوتاد الاحترام والمودة والرحمة فمصيرها الانهيار، والرجل هو أمان والمرأة هي أمانة وهما أول دعم لبعضهما البعض.

المصدر: العمق المغربي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *