أمد/ تشكل القضية الفلسطينية واحدة من أكثر القضايا الدوليةِ تعقيداً برغمِ بساطتها ووضوح الحق فيها، وتتداخل فيها عوامل السياسة والتاريخ والهوية والصراع الجغرافي، وفي هذا الإطار تأتي المبادرات السياسية الخارجية كخطة ترامب الأخيرة تجاه غزة كمحاولات للتأثير على مسار هذا الصراع لصالح الكيان المُتهالك المحتل.
مُكوناتُ ومُرتكزاتِ خطةُ ترامب
الأسس الفكريةُ لها
تقومُ على عدةِ مرتكزاتٍ أساسية:
1. المنظور الأمني المهيمن: تنطلق من أولويةِ الجانبِ الأمني الإسرائيلي، وذلكَ من خلالِ معالجة معاناةُ غزة ككيانٍ منفصلٍ عن القضيةِ الفلسطينيةِ الشاملة في مُحاولةٍ لجعل الاعترافات الدوليةِ بفلسطين مؤخراً كأن لم تكن.
2. المُساعداتُ كبديلٍ عن الحقوق: تقديمُ حزمةَ المساعداتِ الاقتصاديةِ مقابل التنازلاتِ السياسيةِ اللا محدودة في محاولةٍ لتحويلِ الصراعِ من صراعٍ وجودي إلى نزاعِ مصالح اقتصادية فقط.
3. تفكيك الجسد الفلسطيني: تتعامل الخطةُ مع غزةَ والضفة الغربيةَ ككيانينِ منفصلينِ مما يقوضُ إمكانيةَ قيامِ دولةٍ فلسطينيةٍ مستقلةٍ ومتصلةٍ مُستقبلاً.
التناقضات في الخطة
1. إغفال جذورُ الصراع واسبابه: تتجاهلُ خُطةُ ترامب المسبباتِ الأساسيةِ والحقيقيةِ للصراع المتمثلة في الاحتلالِ والاستيطانِ وطرد أصحاب الأرض وفرضَ اللجوء.
2. التحيزُ الواضح: تتبنى الرواية الإسرائيليةَ بشكلٍ كاملٍ متجاهلةً الحقوقَ الفلسطينية الأساسية.
3. غيابُ الاستدامة: تعتمدُ على حلولٍ آنيةٍ لا تتعاملُ مع الأسبابِ الهيكلية للصراع.
مناقضة القانون الدولي
تتعارضُ مع مبادئ القانونِ الدولي وقرارات الأممُ المتحدة خاصةً تلك التي تؤكدُ على حقِ تقريرِ المصيرِ وحقِ العودة وعدم شرعيةِ الاستيطان.
إشكالية المقاربة الأحادية
تفشل في فهم التعقيداتِ التاريخيةِ والسياسيةِ للقضيةِ الفلسطينيةِ معتمدةً رؤيةً أحاديةَ الجانبِ تخدمُ مصالحَ طرفٍ واحدٍ على حسابِ الآخر.
تجاهلِ الحقوق الأساسية
تتجاهلُ الحقوقَ الأساسيةَ للشعبِ الفلسطيني خصوصاً حق تقرير المصيرِ وإقامة دولةٍ مستقلةٍ وعودة اللاجئين برغم الاعترافِ الدولي بالدولةِ الفلسطينية.
نحو نزعِ السلاح الإسرائيلي كمدخلٍ حقيقي للسلام
الأسسُ الفلسفيةُ للرؤيةِ البديلة
تنطلقُ الرؤيةُ البديلة من المبادئ الآتية:
1. العدالةُ أساسٌ حقيقيٌ للسلام: فالسلامُ الحقيقيُ لا يقومُ على القوةِ بل على تحقيقِ العدالة.
2. التساوي في الحقوقِ والواجبات: يجبُ أن يُطبقَ مبدأُ نزعِ السلاحِ على جميعِ أطرافِ الصراع.
3. الأمنُ المتبادل: لا يمكنُ تحقيقِ الأمن لأحدِ الأطرافِ على حسابِ الطرفِ الآخر.
الخطةُ البديلةُ لخطةِ ترامب
1 نزع السلاح النووي على المستوى الإقليمي من خلال:
• نزعُ أسلحةِ الدمارِ الشاملِ من المنطقةِ برمَتها بما في ذلك الترسانةَ النوويةَ الإسرائيليةَ غير المُعلنة لكفِ سباقَ التسلح النووي فيها.
• جعل منطقةٍ الشرق الأوسطِ خاليةٍ من كلِ أسلحةِ الدمار الشاملِ.
2 تفعيلُ حلُ الدولتين
• تأسيسُ دولتين ديمقراطيتين الأولى تضمُ الفلسطينيين والأخرى الإسرائيليين، وعلى قدمِ المساواة للدولتين.
• ضمانُ حقوقٍ متساويةٍ لجميعِ المواطنينَ بالدولتين بغضِ النظرِ عن الدينِ أو العرق.
• إنشاءَ قواتُ مراقبةٍ دوليةٍ دائمة.
3 كيفية تنفيذ الآلية:
• تفعيلُ دور الأممِ المتحدةِ والمنظماتِ الدولية ومحكمةِ الجنايات الدولية لردعِ أي اعتداء.
• وضعَ الية مُلزمة للطرفين.
• إشراكُ دولٍ مُحايدةٍ في عمليتي المراقبةِ والتنفيذ.
تحدياتُ الرؤيةَ البديلةَ وإمكاناتِها
التحديات:
1. لعلَ التحدي الأكبر يتمثلُ في دعمُ بعصُ القوى الدولية غير المنصف وغير الحيادي لطرفٍ على حساب الطرفِ الآخر.
2. الهيمنةُ الأمريكية على القرارِ والدعمُ اللا محدود لإسرائيل.
3. بنيةُ النظامِ السياسي الإسرائيلي القائم على التمييزِ العنصري.
الإمكانات:
1. تزايدُ الوعي العالمي بالقضيةِ الفلسطينية بعد أن كادت السياسةُ الإعلامية الغربية طي صفحتها وإظهار الفلسطينيين وحوشاً وارهابيين تجعلُ من إمكانية تحقيق ما سبق طرحهُ ممكناً.
2. نمو حركاتِ المقاطعةِ الدولية تفرضُ على اسرائيلُ اعادةُ النظر بسياستها الاستيطانيةُ والعدائيةُ تجاه الشعب الفلسطيني.
3. تحولاتُ الرأي العام العالمي تجاهَ سياساتِ إسرائيل المُتعجرفة والارهابية.
نحو عدالةٍ شاملةٍ
لا يمكنُ فصلَ الحل في القضيةِ الفلسطينيةِ عن معرفة حقيقيةٍ لأسبابِ الصراعِ وبداياتهِ حيثُ أغفلت ذلك خطةُ ترامب التي تمثلُ استمراراً للنموذجِ القائمِ على الهيمنةِ والقوةِ على حسابِ الشعبِ الفلسطيني الذي يأملُ في تحقيقِ دولتهِ المستقلة وعاصمتُها القدسُ الشريف في حين تقدم رؤيتُنا لنزع السلاحِ الشاملِ نموذجاً بديلاً يقومُ على العدالةِ والمساواة.
السلامُ الحقيقيُ لا يتحققُ بدعمِ اختلالِ موازين أيٍ من الطرفينِ ومُساندتهُ على حساب الطرف الآخر، بل بمعالجةٍ حقيقيةٍ لجذور الصراعِ من خلالِ إقامة نظامٍ يضمنُ تعايشَ الطرفين بسلام جنباً إلى جنب، وهذا يتطلبُ شجاعةً سياسيةً استثنائيةً ورؤيةً أخلاقيةً تتجاوزُ الحساباتِ الآنيةِ، وبناءَ مستقبلٍ يحفظُ الكرامةَ والإنسانيةَ للجميع.
