أمد/ واشنطن: حذّر خبراء في المجلس الأطلسي (Atlantic Council) من أن عام 2026 قد يشكل نقطة تحول حاسمة في مسار الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، في ظل تداخل فرص سياسية واقتصادية غير مسبوقة مع مخاطر أمنية واجتماعية متزايدة، وذلك عقب عام 2025 الذي وصفه التقرير بـ«الزلزالي» على مستوى الإقليم.

وجاء ذلك في تقرير تحليلي موسّع نشره المجلس، استعرض أبرز الاتجاهات المتوقعة في المنطقة خلال العام المقبل، على خلفية تطورات كبرى، أبرزها سقوط نظام الرئيس السوري بشار الأسد، واندلاع «حرب الأيام الاثني عشر» بين إسرائيل وإيران والولايات المتحدة، وإجراء العراق انتخابات برلمانية وُصفت بالمفصلية، إلى جانب التحولات في السياسة الأميركية مع عودة إدارة الرئيس دونالد ترامب.

ضغوط اقتصادية وتحديات تنموية

اقتصاديًا، توقّع التقرير أن تواجه دول المنطقة ضغوطًا متزايدة نتيجة تراجع أسعار الطاقة، ما سيُجبر الحكومات على إعادة ترتيب أولوياتها الاستثمارية، وتقليص الدعم التقليدي، ورفع كفاءة الإنفاق العام، في وقت تتزايد فيه مطالب الشباب بفرص العمل والحراك الاجتماعي.

وأشار التقرير إلى أن دول الخليج، رغم مساعيها الطموحة للاستثمار في الذكاء الاصطناعي والبنى التحتية والطاقة، قد تلجأ إلى مستويات أعلى من الاقتراض، ما يرفع كلفة خدمة الدين. ولفت إلى أن الدول القادرة على تنفيذ إصلاحات اقتصادية واضحة ستتمتع بميزة تنافسية في أسواق المال العالمية.

وفي هذا السياق، اعتبر التقرير أن الذكرى العاشرة لإطلاق «رؤية السعودية 2030» في عام 2026 ستكون محطة اختبار إقليمية، حيث سيُقاس نجاح التحول من اقتصاد قائم على الموارد إلى اقتصاد قائم على رأس المال البشري.

احتجاجات مدفوعة بالمناخ والعدالة

سياسيًا واجتماعيًا، رجّح التقرير تصاعد موجات احتجاج جديدة في عدد من دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، مدفوعة بأزمات المناخ، وندرة المياه، وسوء الإدارة، إلى جانب الفساد واحتكار السلطة.

وأوضح أن الاحتجاجات المقبلة قد لا تكون شبابية فقط، بل «احتجاجات العطشى»، في ظل أزمات المياه في إيران، وعدم الاستقرار المائي في حوضي دجلة والفرات ونهر النيل.

كما توقّع التقرير تصاعد مطالب العدالة والمساءلة، لا سيما في الدول الخارجة من النزاعات، مثل سوريا، حيث بدأت جهود عدالة انتقالية بعد عام على سقوط الأسد، إضافة إلى إيران، حيث تنشط مجموعات حقوقية للمطالبة بمحاسبة المسؤولين عن القمع، وكذلك في سياق الحرب على غزة، حيث تتعارض مواقف الشارع العربي مع مواقف العديد من الحكومات.

شمال أفريقيا في صلب الاهتمام الأميركي

وعلى صعيد السياسة الأميركية، أشار التقرير إلى أن شمال أفريقيا مرشحة لتصبح أولوية متقدمة في أجندة واشنطن خلال عام 2026، مع تسجيل مؤشرات على تهدئة بين المغرب والجزائر، وتقدم محتمل في الملف الليبي، خصوصًا في ما يتعلق بتوحيد الإنفاق العام والمؤسسة العسكرية.

كما أكد التقرير أن مصر ستظل شريكًا أساسيًا للولايات المتحدة في ملفات غزة والبحر الأحمر والسودان، بالتوازي مع توجه أميركي متزايد نحو الدبلوماسية التجارية وتعزيز المصالح الاقتصادية.

مستقبل غزة والقضية الفلسطينية

وبخصوص القضية الفلسطينية، اعتبر التقرير أن عام 2026 قد يكون حاسمًا لمستقبل غزة، بين احتمال تثبيت وقف إطلاق النار وبدء إعادة الإعمار، أو العودة إلى الجمود والتصعيد.

وحدّد التقرير أربعة ملفات رئيسية، أبرزها: طبيعة التزام إدارة ترامب بالقضية الفلسطينية، ومستقبل حركة حماس في غزة، وإمكانية التطبيع السعوديالإسرائيلي المشروط بإقامة دولة فلسطينية، وتأثير حرب غزة على السياسة الداخلية الأميركية مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي.

العراق وإيران: مفترق طرق

وفي العراق، رأى التقرير أن البلاد تقف أمام فرصة نادرة لترسيخ الاستقرار بعد سنوات من الاضطراب، شرط نجاح الحكومة المقبلة في الحد من نفوذ الميليشيات المسلحة، وتعزيز الانفتاح الإقليمي، وتفادي الضغوط المتبادلة بين واشنطن وطهران.

أما إيران، فاعتبر التقرير أن عام 2026 قد يشهد بداية انتقال سياسي محتمل، في ظل تقدم المرشد الأعلى علي خامنئي في العمر، محذرًا من أن هذا الانتقال قد يقود إما إلى انفراج داخلي وإقليمي، أو إلى تشدد أكبر أو حتى فوضى داخلية ذات تداعيات واسعة.

هشاشة وقف النار بين إسرائيل وإيران

وفي ما يتعلق بإسرائيل وإيران، أشار التقرير إلى هشاشة وقف إطلاق النار غير المعلن بين الطرفين، في ظل استمرار التهديدات المتبادلة، وغياب اتفاق مكتوب، وبقاء البرنامج النووي الإيراني عامل توتر رئيسي، مع اعتماد الاستقرار إلى حد كبير على الحسابات السياسية في كل من واشنطن وتل أبيب وطهران.

عام الفرص… أو الفرص الضائعة

وخلص التقرير إلى أن عام 2026 يحمل «ازدواجية حادة» للشرق الأوسط: فرص حقيقية للتكامل والاستقرار والنمو التكنولوجي، مقابل مخاطر الانزلاق إلى صراعات جديدة إذا أسيء التعامل مع التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية.

وأكد خبراء المجلس الأطلسي أن قدرة دول المنطقة على تحقيق التقدم لن تعتمد فقط على نجاحها الداخلي، بل أيضًا على استعدادها للمساهمة في استقرار جيرانها، محذرين من أن تجاهل الأزمات المحيطة قد يحول عام 2026 إلى عام جديد من الفرص الضائعة بدل أن يكون عام التحول المنشود.

شاركها.