اخبار السودان

مقبرة تحتمس الثاني بمصر: أسرار جديدة وأسطورة قديمة تفتح الأبواب أمام أسئلة محيرة

مقبرة تحتمس الثاني بمصر: أسرار جديدة وأسطورة قديمة تفتح الأبواب أمام أسئلة محيرة

صدر الصورة، New Kingdom Research Foundation

التعليق على الصورة، مدخل مقبرة الملك تحتمس الثاني الذي حكم منذ ثلاثة آلاف عام ونصف

في قلب صحراء الأقصر، حيث تتناثر آثار تاريخ مصر، تنكشف لنا واحدة من أعظم الاكتشافات الأثرية في العقود الأخيرة. وبعد مرور أكثر من قرن على اكتشاف مقبرة الملك توت عنخ آمون، أعلنت مصر عن العثور على مقبرة ملكية جديدة تعود للملك تحتمس الثاني، أحد ملوك الأسرة الثامنة عشرة، في موقع يبعد 2.4 كيلومتر فقط عن وادي الملوك.

وبحسب وزارة السياحة والآثار المصرية، فإن مقبرة الملك تحتمس الثاني هي “آخر مقبرة مفقودة لملوك الأسرة الثامنة عشرة في مصر، جرى اكتشافها أثناء أعمال حفائر بجبل طيبة غرب مدينة الأقصر، جنوب البلاد”.

يؤكد الدكتور مجدي شاكر، كبير الأثريين بوزارة السياحة والآثار، أن المعلومات المتداولة حول اكتشاف مقبرة الملك تحتمس الثاني باعتبارها المقبرة الملكية الثانية بعد مقبرة توت عنخ آمون “غير دقيقة”.

ويشير شاكر في اتصال مع بي بي سي إلى أن هناك مقبرة قديمة تم اكتشافها بالفعل عام 1939 للملك بسونيس الأول، ثالث ملوك الأسرة الحادية والعشرين، في منطقة صان الحجر في الشرقية، أي قبل اكتشاف مقبرة توت عنخ أمون، ولكن بداية الحرب العالمية الثانية حالت دون تسليط الضوء عليها بشكل مناسب، حسب قوله.

يصف محمد إسماعيل، الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، هذا الاكتشاف بأنه من أهم الاكتشافات الأثرية في السنوات الأخيرة، حيث تم العثور لأول مرة على الأثاث الجنائزي للملك تحتمس الثاني، الذي لم يوجد له أي أثاث جنائزي في المتاحف العالمية.

تخطى قصص مقترحة وواصل القراءة

قصص مقترحة

قصص مقترحة نهاية

وأكد إسماعيل على أن أجزاء أواني الألبستر التي عثر عليها بالمقبرة كان عليها نقوش تحمل اسم الملك تحتمس الثاني بصفته “الملك المتوفى”، إلى جانب اسم زوجته الملكة الرئيسية حتشبسوت، مما يؤكد هوية صاحب المقبرة.

وأوضح إسماعيل أنه عند عثور البعثة على مدخل المقبرة وممرها الرئيسي في أكتوبر/تشرين الأول 2022، اعتقد فريق العمل أنها قد تكون مقبرة لزوجة أحد ملوك التحامسة، نظراً لقربها من مقبرة زوجات الملك تحتمس الثالث، وقربها كذلك من مقبرة الملكة حتشبسوت، التي أعدت لها بصفتها زوجة ملكية قبل أن تتقلد مقاليد حكم البلاد كملك وتدفن في وادي الملوك.

ويقول: “مع استكمال أعمال الحفائر، خلال هذا الموسم، اكتشفت البعثة أدلة أثرية جديدة حددت هوية صاحب المقبرة؛ الملك تحتمس الثاني، وأن من تولى إجراءات دفنه هي الملكة حتشبسوت بصفتها زوجته وأخته غير الشقيقة”.

“الشعور بالدهشة لا يوصف”

الفريق الذي عثر على المقبرة من مؤسسة أبحاث المملكة الحديثة ووزارة الآثار المصرية

صدر الصورة، New Kingdom Research Foundation

التعليق على الصورة، الفريق الذي عثر على المقبرة من مؤسسة أبحاث المملكة الحديثة ووزارة الآثار المصرية

تخطى يستحق الانتباه وواصل القراءة

يستحق الانتباه نهاية

يقول الدكتور بيرز ليزرلاند، مدير البعثة الأثرية، إنه تم العثور على جزء من السقف الأصلي للمقبرة الذي كان ما زال سليماً، وهو سقف مزخرف باللون الأزرق ومرصع بالنجوم الصفراء، وهو عنصر زخرفي لا يوجد إلا في مقابر الملوك.

وفي حديثه لبرنامج (نيوز أور) على بي بي سي، عبر الدكتور ليزرلاند عن شعوره عند اكتشاف المقبرة قائلاً: “الإحساس الذي يصاحب العثور على شيء غير متوقع هو شعور مذهل، وأصابتني الدهشة الشديدة في تلك اللحظة”.

وأضاف أنه بعد اكتشاف المقبرة، لم يتمكن من التحكم في مشاعره وانفجر بالبكاء عند لقاء زوجته في الخارج.

“المقبرة تحتوي على سلم ضخم وممر كبير للغاية، ما يدل على عظمة المكان. الفريق الأثري واجه صعوبة كبيرة في إزالة الأنقاض من الممرات التي كانت مليئة بالحطام نتيجة الفيضانات، واضطروا إلى الزحف عبر ممر ضيق يبلغ طوله 10 أمتار قبل أن يصلوا إلى غرفة الدفن”، بحسب لزيرلاند.

ويضيف أن الفريق اكتشف في غرفة الدفن السقف الأزرق المزخرف وقطع من كتاب “أمدوات”، وهو نص ديني كان مخصصاً للملوك، وهو ما كان دليلاً إضافياً على أن المقبرة تعود لأحد الملوك.

ويقول ليزرلاند لبي بي سي إن المفاجأة كانت أن المقبرة فارغة تماماً، ما يؤكد أن محتوياتها قد تم نقلها إلى مكان آخر في العصور القديمة بعد أن غمرتها الفيضانات، التي تسببت في تدميرها.

ومن خلال البحث في الحطام، عثر الفريق على قطع من أواني الألباستر المنقوشة باسم الملك تحتمس الثاني وملكة حتشبسوت، وهو ما أكد هوية صاحب المقبرة.

وعلق الدكتور ليزرلاند قائلاً: “لحسن الحظ، تم كسر بعض القطع خلال عملية النقل، وهذا ما ساعدنا في اكتشاف صاحب المقبرة”، مضيفاً أن الفريق لديه فكرة مبدئية عن مكان المقبرة الثانية، التي قد تحتوي على كنوز إضافية.

“أسئلة محيّرة”

جزء من المقبرة المكتشفة

صدر الصورة، وزارة السياحة والأثار المصرية

التعليق على الصورة، جزء من المقبرة المكتشفة

في حديثه عن أهمية اكتشاف مقبرة تحتمس الثاني، يشير الدكتور شاكر لبي بي سي إلى أن اكتشاف مقبرة تحتمس الثاني يمثل خطوة هامة نحو فتح الأبواب لاكتشاف خمس مقابر ملكية مفقودة، من بينها مقابر الملك رمسيس الثامن، الإسكندر الأكبر، نفرتيتي، وكليوبترا، وهي مقابر لم يتم العثور عليها حتى الآن.

ويضيف: “عثرنا على مقبرة تحتمس الثاني في موقع يبعد 2.4 كيلومتر عن وادي الملوك، وهو اكتشاف يفتح الأبواب أمام إمكانية وجود مقابر أخرى بعيدة عن الوادي، ما يدفعنا إلى توسيع نطاق البحث والتنقيب في مناطق جديدة”.

ويوضح شاكر أن السبب وراء اختفاء بعض الآثار الجنائزية المفقودة هو عُرف بسرقات المقابر أيام الأسرة الفرعونية الحادية والعشرين.

ويؤكد أن الكهنة، على إثر تلك السرقات، قاموا بنقل مومياوات وكنوز الملوك إلى مقبرة الدير البحري التي لم تكتشف إلا عام 1881 لحمايتها من السرقة، معتبراً أن بقايا تلك الآثار قد يتم العثور عليها في أماكن أخرى وتساعد في إيجاد قبور الملوك الآخرين.

ورغم أن الاكتشاف قد يبدو بسيطاً ظاهرياً، إلا أن الدكتور شاكر يؤكد أنه يعزز من احتمال اكتشاف وادي جديد مليء بالمقابر الملكية التي قد تضيف تفاصيل غنية عن تاريخ مصر القديمة.

ويضف: “تعرضت مصر في العصور القديمة لسيول دمرت أجزاء كبيرة من وادي الملوك، ونحن نعمل على إعادة اكتشاف هذه الأجزاء المفقودة. ومن المتوقع أن تستغرق البعثة الإنجليزية وقتاً أطول لإجراء دراسات تفصيلية، مما سيُسهم في إثراء التاريخ المصري في الأعوام القادمة”.

قطع جرى العثور عليها في مقبرة تحتمس الثاني، أحد ملوك الأسرة المصرية الثامنة عشرة

صدر الصورة، وزارة السياحة والأثار المصرية

التعليق على الصورة، قطع جرى العثور عليها في مقبرة تحتمس الثاني، أحد ملوك الأسرة المصرية الثامنة عشرة

تواصلت بي بي سي مع الدكتور زاهي حواس، عالم الآثار المصري ووزير الدولة السابق لشؤون الآثار، الذي أكد مغادرته المقبرة المكتشفة لحظة تلقيه اتصالنا. ويقول إن المقبرة تم اكتشافها في عام 2022، ولكنها دمرت تماماً بفعل الفيضانات، مؤكداً أن الشكل العام للمقبرة يدل على أنها كانت مقبرة ملكية.

ويضيف حواس أن البعثة الأثرية تمكنت هذا الشهر من العثور داخل المقبرة على اسم الملك تحتمس الثاني واسم الملكة حتشبسوت، بالإضافة إلى نص يؤكد أن الملكة حتشبسوت هي من أمرت ببناء المقبرة في الوادي الغربي ودفنت تحتمس الثاني فيها.

وتابع: “المقبرة تعرضت للنهب والتدمير بشكل كامل، ولا تحتوي على أي قطع يمكن تصويرها، لكن من الإيجابي أن يتم الكشف عن مقبرة ملكية حتى وإن كانت مدمرة”.

يقول حواس لبي بي سي إن هذا الاكتشاف يطرح أسئلة عديدة “محيّرة” لا تزال دون إجابات واضحة، منها: “لماذا دُفن تحتمس الثاني وحده في هذا المكان بينما دُفنت حتشبسوت في وادي الملوك؟ ولماذا هذه المقبرة هي المقبرة الملكية الوحيدة في الوادي الغربي؟”.

وأضاف أن هذه الأسئلة تثير الحيرة والدهشة في أذهان العلماء والباحثين، ولا يوجد حتى الآن جواب شافٍ يمكن أن يفسر أسبابها، كما تشكل تحدياً كبيراً في فهمنا الكامل للتاريخ الفرعوني وأسرار تلك الحقبة الزمنية، بحسب حواس.

من هو تحتمس الثاني؟

تحتمس الثاني هو الفرعون الرابع من الأسرة الثامنة عشرة من مصر القديمة خلال عصر الدولة الحديثة، يعود إليها أصل العديد من الفراعنة الأشهر في تاريخ مصر، إذ حكمت من الفترة من حوالي 1549/1550 إلى 1292 قبل الميلاد.

تُعرف هذه الأسرة أيضاً باسم الأسرة التحتمسية تيمناً بالفراعنة الأربعة الذين سُمّوا تحتمس.

اعتلى تحتمس الثاني العرش عام 1493 قبل الميلاد بعد موت والده، وتزوج من أخته غير الشقيقة حتشبسوت، وحدث أن مرض تحتمس الثاني بمجرد اعتلائه للعرش، ولما لم يكن لهُ ابن في ذلك الوقت فقد قامت زوجته وأخته حتشبسوت بالحكم من وراء الستار.

أصبحت حتشبسوت الفرعون الحاكم وحكمت لأكثر من عشرين عاماً وذلك بعد وفاة زوجها وانتهاء فترة وصايتها على ربيبها القاصر، الذي أصبح لاحقاً فرعوناً باسم تحتمس الثالث، والمعروف بنابليون الشرق.

وتشير بعض المصادر التاريخية إلى أن تحتمس الثاني شيّد أثاراً طفيفة وقام بحملتين طفيفتين لكنه لم يفعل شيئاً آخر خلال فترة حكمه.

مومياء الملك تحتمس الثاني في متحف الآثار المصري

صدر الصورة، متحف الآثار المصري

التعليق على الصورة، مومياء الملك تحتمس الثاني في متحف الآثار المصري

ونجح تحتمس الثاني في إخماد التمردات في النوبة والشام وهزم مجموعة من البدو الرحل، إلا أن هذه الحملات نُفِّذت على وجه التحديد من قبل جنرالات الملك، وليس من قبل تحتمس الثاني نفسه، وفق ما يذكر متحف الآثار المصري على موقعه الرسمي.

ويفيد المتحف المصري، الذي نُقلت إليه مومياء الملك تحتمس الثاني من مقبرة الدير البحري، بأن تحليل الأشعة السينية للمومياء أظهر أن تحتمس الثاني توفي في أوائل الثلاثينيات من عمره، إذ تشير الأدلة إلى أنه كان ضعيف البنية، وربما كان يعاني من مرض مزمن استنزف حيويته.

ويصف المتحف شكل المومياء بأنه مثل الملوك الآخرين يضع يديه متقاطعتين على صدره، بينما ساقه اليمنى مكسورة تماماً بعيداً عن الجسم. وعلى عكس المومياوات الملكية الأخرى، كانت أظافر أصابعه وقدميه مقلمة ونظيفة، ما يدل على أنه ملك يهتم بنفسه وبنظافته الشخصية.

لربما يكون اكتشاف مقبرة الملك تحتمس الثاني هو بداية لفصل جديد في فهم تاريخ مصر القديمة، ما يعيد تسليط الضوء على أهمية وادي الملوك والأماكن المحيطة به في كتابة تاريخ الفراعنة.

ومع استمرار الحفريات ودراسات المقبرة، قد نكتشف المزيد من القصص التي ستساعد في إعادة رسم صورة أكثر اكتمالًا للملوك الذين حكموا مصر القديمة، ليدهشنا الماضي العريق بالكثير من أسراره.

المصدر: صحيفة الراكوبة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *