اخر الاخبار

إسرائيل بلا صهيونية : «أربع قبائل» تشكل المجتمع الإسرائيلي

أمد/ حين تأسست الدولة الإسرائيلية عام 1948، اعتقد بن جوريون، وهو اليهودي العلماني غير المبالي بالتعاليم الدينية، أن نجاح المشروع الإسرائيلي سيؤدي تدريجيًا إلى زوال اليهودية الأرثوذكسية، وبالتالي لم يمانع منح بعض المميزات لهذا المجتمع الصغير من المتزمتين اليهود آنذاك في مقابل اجتذابهم إلى إسرائيل في إطار جهوده لتوحيد كافة أطياف اليهود مهما كان الثمن.

تباعًا، أبرم بن جوريون اتفاقًا مع زعيم اليهود الأرثوذكس آنذاك، إسحاق مائر ليفين، تضمن السماح لأي فصيلة من المتدينين اليهود أن يشكلوا نظامهم التعليمي الخاص بهم على نفقة الدولة، وإتباعهم للشريعة اليهودية وفق تفسيراتهم في شؤونهم الشخصية، والالتزام بكون «الشبات» أجازة رسمية (أي الجمعة والسبت،) بالإضافة إلى إعفاء أي رجل اختار تكريس وقته لدراسة التوراة من الخدمة العسكرية.

لكن تطورات المجتمع الإسرائيلي والصراعات التي تعصف بالكيان الإسرائيلي لم تسير وفق ما خطط له بن غوريون ؟؟ وهاهي إسرائيل تسير على طريق التفكك والانقسام القبلي والطائفي وهذا ما تحدث عنه صراحة الرئيس الإسرائيلي السابق ريفلين في مؤتمر هرتسيليا 2015 وأشار إلى الفجوة الهائلة بين هاتين «القبيلتين» كما سماهما.

” بدأ الرئيس الإسرائيلي روفين ريفلين خطابه عن مستقبل المجتمع الإسرائيلي أمام مؤتمر هرتسيليا السنوي للبحوث عام 2015 ، دون أن يلتفت كثيرون ربما في الإعلام العربي إلى كلماته، والتي أحدثت زلزالًا في الحقيقة داخل السياسة الإسرائيلية التي يهيمن عليها حاليًا اليمين المتطرف كما نعرف، إذ كانت تلك أول مرة يتحدث مسئول سياسي إسرائيلي في منصب بهذا الثقل وبكل صراحة عن وجود مجتمع إسرائيلي جديد كأمر واقع ومختلف كليًا عن المجتمع الأكثر تجانسًا وتمسكًا بالصهيونية الذي عرفته إسرائيل على مدار سنوات الحرب الباردة.”

” لم يكتفي ريفلين بالحديث عن آرائه، بل قدم للحضور من الإسرائيليين ما يكفي من معلومات ليثبت أن المجتمع الإسرائيلي الجديد واقع بالفعل، فالأغلبية “الصهيونية” إن جاز القول التي شكلت أغلبية المجتمع حتى التسعينيات لم تعد أغلبية كما أشار ريفلين مستخدمًا إحصائيات الهيئة الإسرائيليية للإحصاء، والتي تنتظر أن يشكل العرب الإسرائيليون، ويهود الحريديم شديد التراثية والمعادين للحداثة كلها وللصهيونية، نصف طلبة المدارس خلال عامين فقط.”

وحقيقة القول ما يعكسه الواقع الإسرائيلي والصراعات في المجتمع الإسرائيلي ورفض تجنيد الحرديم : هُوّة «القبائل» إلى اتّساع فالكتلة الحر يديه ثابتة تقريبا على مكانتها واستحقاقها الانتخابي من دون تغييرات.

ثاني القبائل المفترضة إسرائيلياً هي الكتلة العربية، أي المُمثِّلة لفلسطينيي الـ48، والتي تؤكد تأكيد تمايزها عن بقية حَمَلة الهوية الإسرائيلية، بما يفوق ما هو قائم لدى «الحريديم»، حيث التمايز هنا أشدّ وضوحاً وأكثر حدّة. يكاد تقريباً أن لا يجمع بين «القبيلة العربية» كما سمّاها ريفلين و«القبائل الثلاث الأخرى» سوى الوجود في حيّز جغرافي واحد (فلسطين المحتلة)، مع الاختلاف على كلّ شيء تقريباً. والتمثيل الفلسطيني في «الكنيست» قد تُصعّب سياسة التفريق العنصري الُمؤسس ضدهم.

الكتلة الثالثة هي الكتلة الدينية الصهيونية التي سمّاها ريفلين «قبيلة المتدينين القوميين». وتمثيلها في «الكنيست» متوافق مع حجمها الفعلي، وإن جرى سحب جزء من مؤيّديها إلى الأحزاب اليمينية الأكثر تطرفا ، وتحديداً حزب «الليكود»، نتيجة الدعاية الانتخابية التي أوهمتهم بأن «الليكود» أكثر قدرة على تحقيق الأهداف الصهيونية من أحزابهم هم، وتحديداً اللاتنازل عن احتلال الأرض الفلسطينية.

أما الشريحة الأكبر لدى اليهود الإسرائيليين، والتي سمّاها ريفلين القبيلة العلمانية، وإن جرت التعمية على حقيقة قوتها على خلفية التفريق التقليدي بين اليمين والوسط واليسار. برامج القوى السياسية لكتلة العلمانيين، سواء وضعت نفسها يميناً كما هو حال حزب «الليكود»، أم وسطاً كما هو حال حزب «أزرق أبيض» وحزب «العمل»، أم يساراً (مع التحفظ) كما هو حال حزب «ميرتس»، هي برامج تكاد أن لا تحمل أي خلاف في ما بينها، وإن وُجدت اختلافات فستكون انعكاساً لإرث من الماضي. الخلاف الوحيد بين الأحزاب العلمانية هو شخص بنيامين نتنياهو نفسه، بعيداً من البرامج السياسية التي كانت قبل عقود معيار التفريق الرئيس بينها، وتحديداً الموقف من القضية الفلسطينية والعملية السياسية مع العرب والفلسطينيين. حالياً، ثمة توافق يجمع الأغلبية الساحقة من العلمانيين (يخفي نفسه وراء الخلاف حول نتنياهو)، وتحديداً على الموقف المُعادي لكتلة المتديّنين «الحريديم» وكتلة فلسطينيي 1948، وبقدر أقلّ كتلة المتدينين الصهاينة.

معضلة إسرائيل اليوم بتعاظم قوة القبيلة اليهودية المتدينة وتعاظم نفوذها في مؤسسات ألدوله وتقترب اجتماعيًا بنمط حياتها المحافظ بشكل متزايد من الحريديم، مما يعني تشكل أغلبية محافظة دينيه أبعد عن الصهيونية بتصورها لما يجب أن تكون عليها ألدوله اليهودية ، وأكثر توترًا في علاقاتها مع الشريحة العلمانية الصهيونية، والتي ستميل حينئذ بأفكارها اليسارية والمؤيدة للسلام في العادة نحو العرب، وهو خطر يقسم المجتمع نصفين كما يقول كثيرون، خاصة وأن السلطان السياسي والاقتصادي منقسم بين الصهاينة المتدينين من ناحية والعلمانيين من ناحية أخرى، وهو ما يفسر حقيقة الانشقاق في المجتمع الإسرائيلي الذي بدأت معالمه تظهر في ظل الائتلاف المحافظ المتشكل والذي يرئسه نتنياهو وهو يدفع نحو السيناريو الأكثر تطرف للدولة اليهودية ، لكن المؤكد في شتى الأحوال هو أن الأفكار الصهيونية المؤسسة تزول تدريجيًا، وأن المبادئ الغربية التي التزم بها مؤسسو الدولة وقياديوها على مدار القرن العشرين تتلاشى لصالح نموذج إسرائيلي ذاتي قد يجعل المجتمع أكثر تنوعًا وتوترًا في آن، كما يجعله للمفارقة أكثر انتماءً لنسيج مجتمعات الشرق الأوسط المحيطة به.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *