اخبار السودان

وسائل التكنولوجيا الحديثة : كيف ساهمت في تخريب العقول؟

مجتبى سعيد عرمان

د. مجتبي سعيد عرمان

 

ربما ينتاب المرء منذ الوهلة الأولي عند قراءة عنوان هذه المقالة نوع من الدهشة أو الحيرة، إذ كيف تساهم وسائل التكنولوجيا الحديثة في تخريب العقول؟ لا أكتب هذه المقالة هُزُوًا أو كنوع من ملء الفراغ. مما لا جدال فيه أن وسائل التكنولوجيا الحديثة قد أحدثت طفرات هائلة في كافة جوانب الحياة التي لا يمكن حصرها في هذه المقالة ذات الحجم الصغير وكادت أن تكتب نهاية الجغرافيا. ما عنيته هو أن الهواتف الذكية في عالم اليوم، ووسائل الترفيه بكافة اشكالها قد ساهمت بشكل مهمول في خلق مجتمعات افتراضية لا صلة لها بالواقع المعاش. دعونا نأخذ ونتفحص بعد جوانب الحياة المعاشة في مجتمعنا ” المعاصر” اليوم:

(1)

في رحلة نزوحي من الخرطوم إلي الجزيرة قضيت وقتا ممتعا مع الأسرة وخصوصا مع سيل الحكاوي الذي لا ينقطع مع والدي الذي كرس حياته وسنوات العمر النضرات في مهنة التدريس داخل وخارج السودان. لاحظت حينما نجلس نتجاذب أطراف الحديث أن الجيل الجديد من الشباب لا يستمعون جيدا للحكاوي والقصص التي يلقيها علي مسامعنا والدي وهي لا تخلو من الحكمة، بل يمكنني أن أقول أنها الحكمة نفسها. لاحظت أيضا أن في المناسبات الإجتماعية سواء في الأفراح أو الاتراح أن الهاتف الذكي وما به من رسائل تصل المتلقي في كل دقيقة إن لم نقل الثانية عن طريق الواتس أو الفيس بوك تُشكل نوع من أنواع ” العبودية” حيث أنها تسبب لصحابها نوع من أنواع الدافع الذي لا يُقاوم، إذ تجبره علي الإطلاع عليها حتي ولو كان يود أن يضع اللقمة علي فمه! لا يخفي علي البعض منا أن من وراء هذا الضخ الغير محدود، الغير منتهي شركات كبري هدفها الأول جني الأرباح ولا ننسي الرسائل التي تهدف إلي السيطرة علي المستوي الثقافي، والفكري، والسيطرة علي العقول بشتي الطرق والوسائل التي لا يدركها الناس “العاديين”. من السهل جدا أن نقول بأن الرسائل التي تصل علي الهواتف الذكية من مختلف المصادر المتعددة التي لا يمكن حصرها قد كتبت نهاية أمبراطورية الكتاب ووسائل التثقيف التقليدية مثل الراديو، والمجلات الثقافية التي كنا نتلهف إلي الحصول عليها مثل مجلة العربي وفصول التي تهتم بالنقد الأدبي علي سبيل المثال لا الحصر. بل حتي الصحف اليومية ذات المحتوي الهادف والغير مرتبطة بالسلطة قد أختفت من الأكشاك التي تعرضها من ضمن أسباب كثيرة أخري ساهمت في زوالها، نتمي لها عودا حميدا بعد أن تضع الحرب أوزارها وتعود الطيور إلي أعشاشها مع الفجر الفضي وصحية جروف النيل مع الموجة الصباحية.

 

(2)

مما لا جدال فيه أن وسائل التكنولوجيا الحديثة ساعدت كثيرا علي سهولة الحصول علي المعلومة في كسر من الثانية في المجال الأكاديمي علي وجه الخصوص. يُعد النقل الغير مبني علي الأسس الأكاديمية الرصينة من أكبر المعضلات التي تواجه المجتمع الجامعي في عالم اليوم المبني علي السرعة مع غياب الإتقان في كثير من وجوه الحياة. في مرات عديدة يرسل لي طلابي بعض الواجبات وهي منقولة بالكامل من الشبكة العنكبوتية عن طريق استخدام محرك البحث قوقل ، كما هي بدون مراعاة الأسس الأكاديمية المتعارف عليها وسط الأوساط الجامعية! دائما ما كنت أقول لزملائي بجامعة الأحفاد حينما كان الحمام يأتي بالسلام ليتي أعرف “من بعثها من مرقدها” هذه الآلة التي جعلت طلابنا مجرد آلة لنقل المعلومات علي طريقة كوبي اند بيست، بل في مرات عديدة يمكن أن يرسلها لك زميلك في الفصل وتقوم بدورك بإرسالها كما هي. ذات مرة كنت أدرس طالباتي بجامعة الأحفاد مدرسة علم النفس كورس اللغة الأنجليزية للأغراض الخاصة الأنجليزية في مجال علم النفس الذي يدور محوره علي تحسين مهارات اللغة الأنجليزية في الإستماع، والتحدث، والقراءة، والكتابة. يومها كان الدرس حول مهارة القراءة حول نص يتحدث عن علم النفسي الإيجابي، دائما ما كنت أقوم بعملية تحضير الدرس بالمساء بعد عودتي من الجامعة. كان يومها الدرس عن علم النفس الإيجابي وقد أدخل البهجة والحبور علي نفسي حتي كدت أطير من الفرح صائحا ” وجدتها” فقد جعلني اقف مطولا متأملا في الحياة والمعاني التي يجب أن نلونها بها نحن البشر بحيث تصبح ذات معني لنا ولغيرنا. دعونا نقتبس بعض ما أراد علماء علم النفس الإيجابي أن يوصلوه لنا: ” يُعد علم النفس الإيجابي فرع من فروع علم النفس الذي يركز علي نقاط القوة والسلوكيات الشخصية التي تسمح للأفراد ببناء حياة ذات معني وهدف متجاوزا فكرة البقاء علي قيد الحياة إلي فكرة الازدهار. سعي المنظرون والباحثون في مجال علم نفس الإيجابي إلي تحديد عناصر الحياة الجيدة. كما اقترحوا واختبروا ممارسات لتحسين الرضا عن الحياة والرفاهية. كنت منشرحا بهذا الدرس، ذهبت في الصباح الباكر ودخلت إلي قاعة الدرس وبعد التحيات الزاكيات علي طالباتي قمت بعمل بعض الأنشطة قبل الدخول في الدرس أو ما يُعرف بالإحماء للذين يعملون في حقل التدريس. سألت طالباتي عن بعض الأشياء التي تمنحهم نوع من الرضا عن الحياة التي يعيشونها. الحق يُقال لم تكن الإجابات مرضية لي تمام الرضا فقد كنت امني النفس بسماع إجابات علي شاكلة مساعدة الآخرين تجلب لي نوع من الرضا، المشاركة في الأنشطة المجتمعية والجمعيات الخيرية التي تعمل علي مساعدة الضعفاء ولمن هم في حاجة إلي مد يد العون. اتذكر جيدا يومها طالبة نبيهة من بين الحضور قالت أنها تعمل في سوبر ماركت الحوش الذي يقع بالقرب من الرفيرا لمساعدة والدها الذي يعمل عاملا، حيث شكلت أجابتها ذات المضمون الإنساني العالي مدخلا لي لدرس اليوم.

 

(3)

All of humanity’s problems stem from man’s inability to sit quietly in a room alone. Pascal

خلاصة القول وزبدته أن وسائل الترفيه، والتكنولوجيا بكافة أشكالها الحديثة تُمثل تحديا حقيقيا لخلق حياة مثمرة ذات معني في عالم يعاني من الحروب، والكوارث الطبعية وغيرها من الكوارث التي هي من صنع البشر مثل الحروب، والنزاع حول السلطة التي يروح ضحيتها الملايين من البشر الذين لا علاقة لهم البتة بالصراع والسيطرة علي الموارد الطبعية وتراكم الثروات في أيدي فئة قليلة تحسب علي أصابع اليد. لا غرو، فالشركات عابرة الجنسيات ورأس المال المُعولم يقفان خلف “العبودية” الحديثة التي تجعل الناس يمسكون بجهاز الهاتف الحديث علي مدار الدقيقة بطريقة تماثل البرمجة في أجهزة الكمبيوتر حتي يحسبه الظمأن ماء، فكلما جاء صوت الرسالة علي الواتس أو الفيس بوك يُمسك الشخص بهاتفه وكأن هناك أمر جلل لا يريد أن يفوته وتلك هي آلية البرمجة للبشر التي تعمل عليها الشركات بحيث تجعل الناس في حالة جوع دائم إلي المزيد وعلي طريقة جنهم هل من مزيد! يقول الفنان الكبير باسكال بأن جميع مشاكل البشرية تنبع من عدم قدرة الإنسان علي الجلوس بهدوء في غرفة بمفرده ، كأنه أراد أن يقول لنا بأن النظريات العلمية الكبيرة والأعمال الأدبية والفنية الخالدة نتجت حينما يجلس العلماء والفنانين لوحدهم منكبين علي ما ينتون القيام به بعيدا عن كل ضوضاء العالم الخارجي غير منشغلين بسفاسف الأمور وصغائرها. حينما تدبرت في تلك المقولة جيدا وفحصتها جديدا جال بخاطري الساعات الطويلة التي يقضيها الناس وخصوصا طلاب العلم في وسائل التواصل الإجتماعي بعد أن تسيدها صغار العقول خصوصا في محنة الحرب هذه التي تمر بها بلادنا ونتمني من سويداء القلب أن يأتي الحمام بالسلام ويعود الأمن ، والإزدهار علي بلادنا ويرجع جميع أهلنا سالمين غانمين إلي ديارهم وتعود رائحة الحقول والبذور، والنيل إلي جريانه الطبيعي. قديما كان حُكام الإمبراطورية الرومانية يتحكمون في الشعب عن طريق الخبز ،وسباق العربات، وألعاب المصارعة التي تعمل علي تشتيت الذهن مما يسمح للأباطرة بالحكم كما يحلو لهم أو بإخفاء الحقائق.

 

[email protected]

المصدر: صحيفة الراكوبة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *