أظهرت السعودية نهجاً دبلوماسياً متوازناً في التعامل مع التطورات الأخيرة في جنوب اليمن، بعد سيطرة قوات المجلس الانتقالي الجنوبي على مناطق واسعة في محافظتي حضرموت والمهرة في ديسمبر الماضي. هذا التحرك، الذي لم يسبقه تنسيق مع الحكومة اليمنية أو تحالف دعم الشرعية، دفع الرياض إلى اتخاذ خطوات احتواء سريعة تهدف إلى استعادة الاستقرار وتجنب تصعيد إضافي، مع الحفاظ على وحدة الأراضي اليمنية. النهج السعودي الشمولي يركز على الحوار وتهدئة الأوضاع، بدلاً من المواجهة المباشرة، وهو ما يتماشى مع تاريخ المملكة في إدارة الأزمات الإقليمية.
وقد تجسد هذا النهج في استقبال وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان لشخصيات بارزة من مختلف الأطراف اليمنية، بما في ذلك قادة في المجلس الانتقالي الجنوبي وأعضاء من مجلس القيادة الرئاسي. يهدف هذا التواصل المباشر إلى فهم وجهات النظر المختلفة وتقريب المسافات بين الأطراف المتنازعة، مع التأكيد على أهمية التوافق الوطني في سبيل تحقيق السلام والاستقرار في اليمن. كما يعكس اهتمام المملكة الوثيق بالوضع اليمني وتحديات انتقال السلطة.
النهج السعودي الشمولي في احتواء التطورات في جنوب اليمن
يعتبر المحللون أن تعامل السعودية مع الأحداث الأخيرة يعكس سياسة راسخة تعتمد على الاحتواء والحكمة، وهي سمة مميزة للدبلوماسية السعودية منذ عهد الملك عبد العزيز. بدلاً من الرد العسكري المباشر، فضّلت الرياض تبني استراتيجية قائمة على الحوار والتفاوض، مع التأكيد على ضرورة احترام سيادة الحكومة اليمنية الشرعية. هذا النهج يهدف إلى تجنب إدخال اليمن في صراعات جديدة، والحفاظ على الأمن الإقليمي.
الخطوات السعودية المباشرة
بعد سيطرة الانتقالي على حضرموت والمهرة، أرسلت السعودية اللواء محمد عبيد القحطاني على رأس وفد لتهدئة الأوضاع ودفع القوات إلى العودة إلى مواقعها الأصلية. ترافق ذلك مع نشر قوات درع الوطن، وهي قوات يمنية موالية للحكومة الشرعية، لتعزيز الأمن في المحافظتين. وقامت السعودية بتأكيد دعمها الكامل للرئيس اليمني، وحكومته.
علاوة على ذلك، نشر وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان رسالة موجهة إلى الشعب اليمني، أكد فيها على حق الجنوبيين في التعبير عن مطالبهم، ولكنه حذر في الوقت نفسه من مغبة الانجرار إلى صراعات جانبية قد تقوض جهود السلام والاستقرار. وشدد الأمير خالد على أهمية الوحدة اليمنية، والحفاظ على الأمن القومي للمملكة.
يرى الدكتور عبد العزيز بن صقر، رئيس مركز الخليج للأبحاث، أن هذا التعامل يعكس رؤية المملكة العميقة للقضية اليمنية، وإدراكها للتحديات المعقدة التي تواجهها. وأضاف أن المملكة لا تسعى إلى فرض حلول من الخارج، بل تفضل العمل مع اليمنيين أنفسهم لإيجاد حلول مستدامة تضمن أمن واستقرار البلاد. وتؤمن السعودية بأن الاستقرار في اليمن يمثل جزءاً لا يتجزأ من أمنها القومي.
واستطاعت قوات درع الوطن، بدعم من التحالف، استعادة السيطرة على حضرموت والمهرة خلال الأيام الماضية، مما أدى إلى تراجع قوات المجلس الانتقالي الجنوبي. ومع ذلك، تؤكد المصادر أن السعودية تواصل جهودها الدبلوماسية لإقناع الأطراف اليمنية بالعودة إلى طاولة الحوار، والتوصل إلى اتفاق سياسي شامل يضمن حقوق جميع اليمنيين ويضع حداً للصراع.
أهمية اليمن بالنسبة للسعودية
تولي المملكة العربية السعودية اهتماماً كبيراً باليمن، ليس لموقعه الجغرافي المتميز كجار جنوبي، بل أيضاً بسبب الروابط التاريخية والاجتماعية والثقافية الوثيقة التي تربط بين الشعبين. كما تعتبر السعودية أن الأمن والاستقرار في اليمن ضروريان لأمنها القومي، وللحد من النفوذ الإقليمي للقوى المتطرفة. ويشكل الأمن البحري في البحر الأحمر والبحر العربي جزءاً مهماً من الأمن القومي السعودي.
يقول الدكتور خالد الهباس، المحلل السياسي، إن المملكة تسعى إلى دعم الأمن والاستقرار في اليمن من خلال مختلف المكونات الوطنية، مع إعطاء الأولوية للمصالح الوطنية العليا وتجنب التدخلات الخارجية السلبية. ويرى أن استضافة الرياض لمؤتمر الحوار الجنوبي المرتقب يعتبر خطوة مهمة في هذا الاتجاه، حيث يؤكد على أن اليمنيين هم من يقررون مستقبلهم بأنفسهم. المفاوضات اليمنية – اليمنية هي الحل الأمثل، وفقاً لرؤية الرياض.
الوضع في اليمن لا يزال هشاً وغير مستقر. من المتوقع أن تستضيف الرياض قريباً مؤتمراً للحوار الجنوبي، بمشاركة ممثلين عن مختلف القوى الجنوبية، بما في ذلك المجلس الانتقالي الجنوبي. تهدف هذه الخطوة إلى إيجاد حلول سياسية جذرية للقضية الجنوبية، وإدماجها في إطار الدولة اليمنية. ومع ذلك، لا تزال هناك العديد من التحديات التي تواجه العملية السياسية، بما في ذلك الخلافات العميقة بين الأطراف المتنازعة، وتدخل القوى الخارجية. يجب مراقبة تطورات الوضع عن كثب، وتقييم فرص نجاح الحوار اليمني في تحقيق السلام والاستقرار الدائمين.
